الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات من أدبيات السياسة.. الناس على دين ملوكها..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)

على مر السنين والعصور كانت الشعوب والمجتمعات تهتف لكل حاكم جديد وتمجد وحقيقة أقولها شئنا أم أبينا وصحيح أن الكثير من مواطنيه فسدوا بفساد من يحكمهم، ويتبعون كل سلطة بدوافع الاستمطاء الذاتي أو الميل الطوعي ليكونوا خدما لكل نظام، إلا أنهم ليسوا كل العراق. ولقد ظلت الأيام تكشفهم، وإن لم يكتشفوا انحطاطهم الأخلاقي بعد. ولقد وردتني تذكارات مؤخرا تقول إنهم مع النظام الملكي، كانوا يقولون نوري سعيد شدة ورد، وصالح جبر ريحانة وعندما سقط قالوا نوري سعيد القندرة، وصالح جبر قيطانة وعندما حكم عبد الكريم قاسم قالوا أعدم، أعدم جيش وشعب وياك وعندما سقط قالوا يا بغداد ثوري ثوري، خلي قاسم يلحق نوري وعندما تغلب الشيوعيون، صاروا شيوعيين ويرفعون شعار: سنمضي سنمضي إلى ما نريد، وطن حرّ وشعب سعيد وعندما جاء البعثيون إلى السلطة قالوا شعب شعب كله بعثية، موتوا موتوا يالشيوعية وهكذا تواليا إلى أن حكم الرئيس السابق. صدام حسين فصاروا من فدائيي صدام، فلما تم القضاء عليه وتسقيط حكومته. صاروا من جيش المهدي.. ومنهم من مسك زمام الحكم في من نواب وأعضاء برلمان وهم أصلا كانوا أعضاء بارزين في حزب البعث.

وكثيراً ما أثيرت جدلية الحاكم والمحكوم وذلك لجهة المسؤولية عن أسباب الفساد والصلاح، فبين قائل إن فساد الرعية من فساد حاكمها وصلاحها من صلاحه وبين قائل بعكس ذلك ومحاجج بأن الحاكم أولاً وأخيراً ابن البيئة، وأنه ليس سوى انعكاس لطبيعتها وبالتالي فإن الشعوب هي من يتحمل وزر فساد حكامها. من حيث المبدأ يمكننا اعتبار كِلا النظريتين صحيحتان وتكملان بعضهما البعض، مع فارق أن إحداهما قد تطغى على الأخرى بسبب الظروف المكانية والزمانية الناظمة لكل منهما والمؤسسة للحالة الوجدانية المجتمعية بكل تناقضاتها، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان، الجزم بماهية الأسباب ومآلاتها، وبالتالي استمرار حالة الجدل بين الفريقين.

الحاكم الفاسد يحتاج لرعية فاسدين، فهو لا يستطيع أن يستمر بالحكم في بيئة صالحة لأنها ستقاومه وتتصدى له وربما تسقطه، لهذا نراهم يستميتون في محاولة إفساد المجتمعات بالتدرج أحيانا، وبطريقة الصدمة في أحيان أخرى متسلحين بالفاسدين من أبناء المجتمع ونخبه المزيفة التي صنعتها الأنظمة لتستخدمها في التسويف وقلب الحقائق والتدليس على الناس..

هذا الجزء من الشعب العراقي لا يستحق قيادة إلا من النمط الذي حكم العراق على امتداد العقدين الماضيين. واليوم نسمع الجزء الآخر من الشعب العراقي يقول على سبيل السخرية من هالمال، حمل جمال فلا يكترثون. لا ضمائر حية لهم، ولا هم يحزنون. يتبعون القوي ولو استقوى عليهم ونهبهم، ويستهينون بالضعيف ولو دلهم على الصواب، وظلوا يدأبون على هذه الحال، منذ أيام سيدنا نوح، فلم يتبعوه لأنه كان نجارا فقيرا. فأغرقهم الطوفان. ولكنهم توالدوا من جديد، حتى أصبحوا طائفة كاملة من أهل الولاء لا لأنفسهم، ولا للبلد الذي ترعرعوا فيه، وإنما لإيران. إلا أنهم ليسوا كل أهل هذا البلد. ففيه الكثير من الأحرار فيه مَنْ بنى العراق وأسس دولته الحديثة. فيه طائفة مظلومين ومحرومين من كل الديانات والأجناس. فيه شعب آخر ينتظر الأيام ويعرف أنه باقٍ أكثر من أيامها السود. وإهمال العراق يعني إهمالهم هم بالذات وإهمال الأمل بنهضة تُحيي السبب الذي لا أمل من دونه للمنطقة العربية برمتها.

عملاء إيران في العراق بألوان معتمة كثيرة منهم قاتل ضد العراق ومنهم عذب العراقيين ومنهم خان العراق وتنصل عن عراقيته ولبس الذل والمهانة ومنهم من باع نفسه وعشيرته من اجل منصب او غنيمة ضباع ومنهم كثير لقسوته وجرمه وتعذيبه لأبناء جلدته وأخوته صار مسؤول وبرلماني ورجل دين وصاحب ملهى وخمارة وألف عمارة وإيران الجارة استقطبت الكثير ودمرت بنية العراق حقدا وكراهية.

الفساد في العراق أصبح ملازماً لكل الحكومات المتعاقبة وبالرغم من وجود مفاصل برلمانية وأخرى حكومية عملها الكشف والمحاسبة للفاسدين إلا أنه صار من البديهيات حتى نجح مروجو التفكير الجمعي باتهام جميع الساسة بالفسادين، المعضلة الحقيقية في العراق إنما تتعلق بطبيعة الطبقة السياسية وثقافتها وخطابها وسلوكها وأن فكرة قيام ديموقراطية بلا ديموقراطيين، هي محض خرافة.

العراق اليوم لا يُهمل لسبب واحد على الأقل. إنه سببٌ لا حياة آمنة من دونه، ولا أمل بالنجاة. صحيح أن الذين يتحكمون بقيادته مَنْ تليق به كل أوصاف الجريمة، إلا أنهم ليسوا نهاية الكون، ولا هم آخر التاريخ في العراق. لقد عرف العراق من أمثالهم الكثير، وذهبوا بما نهبوا إلى مزبلة الأيام. ماتوا في آخر المطاف. حملوا أوزارهم معهم إلى جهنّم وبئس المصير. وهناك فسحة فارغة في جهنّم تنتظر المزيد منهم باستمرار. لا مشكلة إذن لو خرجوا من مستنقع ظل يتعفّن لنحو عقدين من الزمن، منذ الغزو الأميركي للعراق. لا مشكلة، من هذه الناحية، على الإطلاق. ويفترض ألا تثير القلق لدى أحد ممن يمكن أن ينظر إلى العراق من نافذة ذلك السبب الواحد على الأقل.

خليجي 25” أظهرت جانبا من الاحتفاء بانتماء عروبي -خليجي ليس للعراق مكانٌ أكثر لياقة به منه. انتماءٌ يتوافق مع تاريخه وجغرافيته وتكوينه الاجتماعي وثقافته وفولكلوره. ولقد زاد فوز المنتخب العراقي، هذا الانتماء إشراقا. فقل شكرا لكل الفرق التي قدمتْ الهدية للعراق، لأنها خسرت كأسا، ولكنها كسبت العراق. احتفلت له، مثلما احتفل بها ولها. لأنه بلد لا يُهمل. ولأنهم من دونه مُهددون باستمرار. القوى الخليجية الكبرى، هي أول مَنْ يتوجب أن يتقدم الصفوف لجرّ العراق إليها بالذهاب إليه، وبالاستثمار فيه، وبالعمل على إعادة بنائه للمظلومين من أهله. ولأجل إزالة ما تصدّأ على سطح معدنه النقي. ولكي يستردّ الولاء لنفسه ولأمته ولبيئته الطبيعية. لا لأمة الدجل في إيران.

والسبب، أن العراق هو القوة الوحيدة التي تستطيع أن تواجه التهديد الإيراني. عندما يضعف العراق، تضعف الأمة العربية كلها. تضعف دول الخليج منها أولا، وتضطر إلى ما لا تضطره عندما يكون معها العراق. الهمجية والعدوانية والتوسع الإيراني لا صلة لها بحاكم أو آخر. كلهم سواسية في تطلعات الهيمنة على دول المنطقة، وضعوا تاجا أو وضعوا عمامة. هذا ما يقوله التاريخ. أنظر فيه وسترى أنه يتجدد من تلقاء نفسه. لم يكن دعاء الخليفة عمر بن الخطاب اللهم اجعل بيننا وبين فارس جبلاً من نار دعاء ضيق من عدوانية مؤقتة. أبدا. فقد شقوا الإسلام، بعد أن جعلناهم مسلمين، وشوهوا تاريخه وحولوه إلى أداة لسفك الدماء بين المسلمين أنفسهم، إلى يوم الناس هذا.

ولك أن تتخيل ألفا وأربعمئة عام من العداء الدفين، المبطّن والمكشوف. والحروب التي ظلت تلد حروبا، والنزاعات الأهلية التي لم تنطفئ نيرانها، إلى أن جاء حسن نصرالله ليرفع شعار المقاومة وهو يتاجر بالمخدرات. هذه هي إيران. ولا توجد إيران سواها. ومن حق المرء أن يشك، بسبب هذا التاريخ، أن تكون هناك إيران سواها بعد ألف وأربعمئة عام أخرى. إن لم يتمددوا بالغزوات تمددوا بالغلمان والأتباع. وإن لم يكسبوا بالحرب، كسبوا بالنفاق. ويظلون يعتقدون أنهم أرقى عنصر، لا تعرف على أي أساس، بينما حضارتهم لم تكن إلا حضارة كفر وطغيان وفساد. فلما أعطيناهم حروفا وثقافة ودينا، ركبوا الوقاحة علينا أكثر. العراق هو وحده الذي يستطيع أن يلجم العدوانية الإيرانية، ويردها على أعقابها ويُسقيها كأس السم، لتموت به وبأحقادها الأبدية ضد الجوار. العراق لا يُهمل، إلا ليُهمل معه السلاح الوحيد ضد تلك الأحقاد. العراق هو النجاة. وأول النجاة أن ينجو بنفسه من سلطة الجريمة والفساد، ومن تابعيهم ومَنْ والاهم وارتدى عمائمهم واتبع طائفتهم.

واليوم نحن نشهد التصفيات وتكشفون فضائح الأموال الوسخة من أجور ميليشيات الــغدر والتقتيل والاغتيال والإيقاع الطائفي كل هذا الهول وهم لم يمضِ عليهم في سدة الحكم أشهر معدودة، فكيف لو جاؤوا لسنوات ..إذن ليبِعْ كل شريف كرامته ولتسقط آخر قطرة غيرة الرجال لأن العملاء والدخلاء يأمرون وينهون بما يشتهون هم وبما ترغب أسيادهم …

المواطن العراقي وقع في حيرة من أمره. فهو لا يرى غير الصراع السياسي فالكل يتهم وكلهم يدعي البراءة من الفساد والسرقة، وإن شمل نفسه فيصرح كي لا يقال قد برأ نفسه من الفشل ولا يقول الفساد! فمن يقفُ خلف الفساد ومن هم الفاسدون الكبار إذ لم نشهد خلال السنوات الماضية أسماء قد تم حسابها إلا القليل لتشمل بعدها بعفو أو الحكم مع إيقاف التنفيذ مع الصمت المطبق عن إعادة الأموال المسروقة والتي أقل ما تستحق من عقوبة هي مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة.

نحن اليوم كل من ينتقد حكومة الانفلات الأمني واستشراء الفساد والجريمة هو من ذيول الصداميين سؤال يطرح نفسه هل تمرير جريمة دولة مع فساد مؤسساتها أمر صحيح لأن الدولة يرأسها حزبا لدعوة والمجلس الأعلى وكانت تلك الجريمة بالأمس القريب غير صحيحة لأن الحاكم طاغية آخر من غير الحزبين الطائفيين المذكورين.

ولا أملك بعد هذا، في تعريتي حجج الذرائع الواهية غير وعي العراقيين أي مصالح يدافعون عنها ومن يختاروا لتنفيذها لهم.. وليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولننتهِ إلى الأبد من أدعياء وصاية مرجعية علينا فإذا كانت مرجعية اختارت هؤلاء فلنعرف ماذا جلبوا وماذا أعادوا من أساليب زرع الطائفية بين ابناء الشعب وإرهاب الدولة عن طريق الاحزاب والمليشيات والسلاح المنفلت. لنعد أيها العراقي إلى حيث حقوقنا ولنرفض اي اسلوب متطرف الذي يريدون مواصلته عندما أكرهوك على معايشة الحروب ودمارها وتخريبها وعلى الإذعان لمصائب حلَّت بك وبصغارك وها هم يريدون أن يعيدونا إلى صَغار وتبعية وذِلَّة لأسياد جدد. اليوم الشعب قد وعى بعد ما أرادوا منا طوال تلك السنوات معايشة واقع الجريمة والفساد والقبول بها عادية تجري بلا حتى انتقاد ولو بأضعف الإيمان والحجة عندهم ألا يعلو صوت على صوت الحكومة المبجلة المنزهة وهي لب الجريمة وجوهرها فيا ويلنا لو قبلنا المداهنة في حقوق نفر واحد. فلا تغركم الوعود وفرحة مؤقته كالذي صنعوها عندما خفضوا سعر الدولار لبعض سنتات وادعوا ان رواتب الرعاية الاجتماعية من اولياتهم ولو ذهبتم لمخيمات النازحين لرأيت الكوارث والظلم الذي يعيشه النازح من برد وانعدام المعيشة والذل والمهان وافتقاره لأبسط الامور. فالعراقي الإنسان الفرد مثله مثل كل أبناء البشر يمتلك ذاته وحقوقه ولن نتنازل عن موقعه تحت شمس العدالة والحقوق الثابتة الراسخة حيث وُلِد العراقي حرا لا ليذله فرد أو وزير أو حكومة أو حركة أو بلطجية شوارع الجارة والدارة… ولتحيا أصواتكم حرة ولتحافظوا على أصغر حق اصغركم مثلما أعظم العظيم غدكم المشرق المصنوع بأيدي النزاهة والنظافة والكرامة…

مقالات متعلقة