خصم حوالات الخزينة المخاطر والآثار السلبية
أ/ عمر الحلبوسي
لم يعد يخفى على أحدٍ أن العراق اقتصاده مشوه منذ عام 2003 غُيب عنه القطاعات الإنتاجية بشكل متعمد و أُبقي على ريعية الاقتصاد الذي جعل العراق عُرضةً للأزمات والمشاكل بسبب أحادية الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط؛ وسبق وأن حذرنا من أن الاعتماد على النفط كمصدر أحادي يُعد انتحارا اقتصاديا؛ كون أسعار النفط تتأثر بتغريدة أو تصريح من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فضلا عن متغيرات أخرى بالغة التأثير, وما حدث للعراق من تضرر مالي واقتصادي بسبب إغلاق مضيق هرمز إلا مثال على ذلك, كما أُنشأ في العراق الاقتصاد الأسود التابع للأحزاب والميليشيات الذي أقيم على أنقاض الاقتصاد الوطني مما تسبب بخسائر مالية واقتصادية كبيرة للعراق.
وبعد مرور 23 عاماً من الاحتلال وعدم استغلال الفرص التي كانت متاحة لبناء اقتصاد وطني, أبقي العراق حبيس النفط بسبب تدخلات خارجية أدت إلى تدمير القطاعات جميعها واثقل العراق بديون داخلية هائلة حتى وصلت الآن )96.629 تريليون دينار عراقي( وهو أعلى مستوى للدين الداخلي بتاريخ العراق, إذ أن إجمالي الدين الداخلي من (2023_ نيسان 2026) بلغ في هذه الفترة (46.035 تريليون دينار) وقد تم سداد (19.910 تريليون دينار) خلال الفترة المذكورة سابقاً وهو مؤشر خطير على أن الحكومة سيرت أعمالها بالدين وفق مبدأ سد الدين بالدين وهذا يشير إلى مرحلة تهالك اقتصادي بالغ الخطورة وارتفاع هائل بالانفاق الحكومي.
إن هناك مساعٍ للقيام بإصدار خصم حوالات جديد والذي سيعمق من حجم الدين الداخلي ويعظم من مخاطرة في ظل صراع جيوسياسي تشهده المنطقة والذي انعكس بتأثيره على سلال توريد النفط وهو ما يضيف ضغوطاً أخرى على الموازنة, ولتوضيح ماهية خصم حوالات الخزينة " هي أداة دين عام قصيرة الأجل تصدرها وزارة المالية وتخصمها البنوك المركزية لتوفير السيولة النقدية وتستخدمها كأداة لتمويل العجز المالي" ويعد الاعتماد المتكرر على خصم الحوالات مخاطرة كبيرة كونها لا تولد عائداً اقتصاديا لأنها تستخدم في انفاق تشغيلي وليس في إنفاق انتاجي خصوصاً أن جزء كبير من الدين الداخلي هو ناتج عن خصم حوالات الخزينة ويشير هذا إلى أن الحكومة قد جعلت من خصم حوالات الخزينة من اداة مؤقته إلى أداة دائميه لتسيير الانفاق التشغيلي كما وحولتها من وسيلة لإدارة السيولة إلى جزء رئيسي من وسائل تمويل معتاد للموازنة.
إن الاعتماد المفرط على خصم حوالات الخزينة يحمل في طياته مخاطر هيكلية واقتصادية بالغة الخطورة خصوصاً في ظل اقتصاد بلا انتاج واعتماد مفرط على النفط ومزاحمة الدين الحكومي للائتمان المصرفي وهو ما يؤشر ذلك على ضعف القطاع المصرفي وتعطيل تمويل القطاع الخاص بسبب اتساع الحكومة بالدين الداخلي الذي فاقم من المخاطر التي أصبحت تحيق بالدولة مع استمرار رغبة الحكومة نحو استخدام خصم حوالات الخزينة لتمويل الموازنة وتأسيساً على ما تقدم نوضح عدد من مخاطر الاعتماد المفرط على خصم حوالات الخزينة كما يلي:
- تعميق الهشاشة المالية والنقدية: استفراد الحكومة بسحب السيولة من المصارف واحتكارها خصم حوالات الخزانة تجعل النظام المصرفي أكثر عرضة لأي تدهور في الوضع المالي الحكومي وإن هذا الترابط بين (المالية, النقدية) يزيد من هشاشتهما سويةً ويربط مصيرهما ببعض وإن أي تدهور مالي للحكومة سوف تنهار معه المصارف.
- تفاقم ضعف الهيكل الاقتصادي: الاعتماد على خصم حوالات الخزينة هو حل مؤقت لأزمات هيكلية دائمة ولا يعالج عجز الموازنة الفعلي, بل يؤجل الأزمة وهو ما يعني استمرار ضعف الهيكل الاقتصادي المثقل بالديون وغياب التنوع الاقتصادي في ظل افراط الحكومة باستخدام الحوالات للتمويل.
- تقييد النمو الاقتصادي: توجيه جزء كبير من السيولة المصرفية نحو أدوات الدين الحكومي خصم حوالات الخزينة يتسبب بضعف كفاءة الوساطة المالية بالتالي تراجع النمو الاقتصادي او انعدامه.
- مخاطر التضخم: لا يُعد خصم حوالات الخزينة إصدار مباشر للنقود, ولكن غالباً يتم عبر قيام البنك المركزي بهذا الخصم الذي يمكن أن يوسع عرض النقد بإنشاء رصيد جديد للحكومة وهو ما يعادل طبع نقد بالوقت نفسه لا يوجد زيادة حقيقية في الإنتاج أو السلع بسبب غياب التعطيل المتعمد للقطاعات الانتاجية، مما يؤدي إلى تشكل ضغوط تضخمية.
- عبء خدمة الدين: الفوائد التراكمية لخصم حوالات الخزينة بأسعار فائدة مرتفعة يزيد من عبء الفوائد مستقبلاً على الموازنة العامة، مما يقلل من النفقات الاستثمارية.
- مخاطر إدارة السيولة: تنشأ مخاطر إعادة التسعير ومخاطر منحنى العائد عند حدوث تقلبات في الفائدة مما يدفع بخسارة المصارف التي تحتفظ بهذه الحوالات، وتشكل ضغطاً كبيراً على السيولة وتزيد من التضخم وضعف الاقتصاد.
- تعطيل النمو المصرفي: سحب السيولة النقدية من المصارف يضعف من قدراتها على النمو فضلاً عن تخلفها بالوفاء بالتزاماتها للعملاء مما يدفعها نحو منعطف تراجعي كبير يؤدي تراكمه إلى امكانية انهيارها, فضلاً عن أن أي انهيار مالي للحكومة تنهار معه المصارف.
إن خصم حوالات الخزينة لا تنتج عنه مخاطر على القطاع الحكومي فقط, بل له آثار سلبية على القطاع الخاص بوقت يزاحم فيه الدين الحكومة للائتمان الممنوح للقطاع الخاص وهو ما يتضح جلياً بضعف كبير بهذا القطاع الذي هو الآخر اصابه التعطيل وما بقي منه التهمه حوت الاحتكار, وتكمن الاثار السلبية لخصم حوالات الخزينة على القطاع الخاص بما يلي:
- خنق القطاع الخاص: تقوم الحكومة بامتصاص السيولة من المصارف لتمويل عملياتها التشغيلية مما يقلل من السيولة المتاحة لدى هذه المصارف وبالتالي الحد من قدرتها على منح قروض للقطاع الخاص وهذا يؤدي إلى انكماش استثمارات القطاع الخاص.
- تراجع فرص العمل: إن عملية سحب السيولة و تركزها على الانفاق التشغيلي للحكومة يؤدي إلى تراجع صناعة فرص العمل مما يؤدي إلى زيادة أعداد البطالة في المجتمع.
- اختلال البنية الاقتصادية: من بين ابرز الاثار السلبية لخصم حوالات الخزينة هو احداث اختلال في البنية الاقتصادية عبر تعطيل القطاع الخاص والاستمرار بريعية الاقتصاد الحكومي المثقل بالديون والضغوطات والأخرى.
- تعطيل القطاعات الإنتاجية: الافراط في خصم حوالات الخزينة يعمق من تعطيل القطاعات الانتاجية كون هذه الأداة لا ينتج عنها عائد اقتصادي, بل تقتصر على الانفاق التشغيلي الغير منتج للربح.
- تآكل القيمة: الافراط بإصدار خصم حوالات الخزينة وطبع نقود جديدة سوف يؤدي إلى زيادة التضخم مما يسهم بتعظيم تكاليف الإنتاج للمؤسسات الخاصة وبالتالي تآكل القيمة.
- ارتفاع تكلفة التمويل: استمرار الحكومة بالاعتماد على خصم حوالات الخزينة سوف يقلل من حجم السيولة في القطاع المصرفي و ارتفاع التضخم وبالتالي زيادة تكلفة القروض على القطاع الخاص وتقليل ربحيته.
إن خصم حوالات الخزينة لا ولن ولم يحل الأزمة, بل يؤجلها ويسهم بتفاقمها في ظل هشاشة مالية ونقدية يعاني منها العراق واقتصاد ريعي متطرف يعتمد على النفط والذي انخفض تصديره بسبب اغلاق مضيق هرمز وبالتالي فإن العراق أمام أزمات متشابكة ومركبة أوقع فيها بسبب تعطيل متعمد للقطاعات الإنتاجية وعدم تنويع مسارات تصدير النفط واعتماد الدولة على أدوات مالية ونقدية مؤقته واستخدامها بشكل دائم مما يؤشر على هشاشة الوضع المالي والاقتصادي للبلد في ظل تراكم الازمات, بالوقت نفسه إن الدين الداخلي تترتب عليه مخاطر جمة اوردناها واثار سلبية وهو ما يدحض آراء بعض الاقتصاديين الذين يقولون بأن الدين الداخلي لا خطر فيه, ومن يتتبع مسارنا المالي والنقدي وضعف مؤسساتنا المصرفية التي تسحب منها السيولة لتمول خزائن الحكومة يجد خطراً داهم أوشك على الحلول ما لم يتم معالجة الوضع بأدوات غير المستخدمة حالياً, علماً أن الدين الخارجي يبلغ (10.076 مليار دولار) ومع تفكير حكومي للاقتراض الخارجي والذي ستترتب عليه أعباء وضغوطات أخرى تبقي العراق رهينة للديون الداخلية والخارجية مالم تكون هناك إصلاحات حقيقية في البنية الهيكلية للاقتصاد العراقي وتنويع مصادره.