"ثلاثي نهم" المتحكم السلطوي في العراق
بقلم: عمر الحلبوسي
لم يعد يخفى على أحد حجم احتكار السلطة في العراق بأشخاص معدودين يمتلكون كل خيوط الدمى المتحركة في العراق، ويباشرون السلطة من خلال النفوذ الكبير الذي يمتلكونه في المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء بحكم ولاءاتهم الخارجية التي منحتهم السيطرة والتحكم بالمشهد السياسي العراقي، الذي أصبح يتقاذف بين "الثلاثي النهم" وأحكم قبضته على الواقع السياسي بشكل مباشر وغير مباشر وفي الكواليس المظلمة، التي أبرزت لنا كتلا وأحزابا وأسماء لا قيمة لها في الشارع العراقي.
قد يستغرب القارئ من مصطلح "ثلاثي نهم" الذي يقدم لأول مرة، لكنه لن يتفاجأ عندما يعرف ممن يتكون هذا الثلاثي الخطير الذي أوغل في الفساد المالي والإداري وغاص في أعماق سفك دماء العراقيين من خلال الميليشيات المنتشرة في كل العراق أو من خلال الأجهزة الحكومية القمعية التي يتحكمون بها.
تجزئة "ثلاثي نهم"
"ن" الحرف الأول من اسم أبشع رئيس وزراء حكم العراق في التاريخ المعاصر، وهو الولائي "نوري كامل المالكي" زعيم ميليشيا "حزب الدعوة" وقائد الدولة العميقة الذي حكم العراق ثمان سنوات، ارتكب خلالها أبشع الجرائم الوحشية من قتل واغتصاب وتدمير المدن وتنفيذ سياسة التغيير الديموغرافي في المحافظات العراقية وتهجير المواطنين من أراضيهم؛ وأوغل بالتحريض الطائفي خلال حكمه الذي شهد جرائم ضد الإنسانية وثقتها المنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية في سجون الظلم التي كشف عنها في المقرات الحكومية داخل وخارج المنطقة الخضراء، وجرائم تدمير المدن التي نعيش اليوم ذكراها مع تعالي الأصوات الشعبية بجرائم المالكي التي ما زالت شواهدها حاضرة في الأنبار وديالى ونينوى وصلاح الدين.
يعد المالكي أحد أخطر وأقوى المتحكمين بالمشهد السياسي العراقي لسيطرته وتحكمه بالدمى المتواجدة في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، التي أعطته القوة لفرض سطوته على كل ما يدور في العراق، حتى أصبح الوزراء والمدراء يحجون إليه ليقدموا فروض الطاعة من أجل المكاسب والمغانم التي يمنحها المالكي لمن يجعل نفسه بيدقا له، وقد استطاع أن يسيطر على الأحزاب الشكلية في العراق من خلال تيارات وأحزاب جديدة تُصنع بمسميات حديثة يتزعمها بالظاهر أشخاص يضرب حولهم طوقا من هالة كاذبة، لكنهم في الواقع بيادق للمالكي الذي جعلهم على رأس هذه الأحزاب التي يستخدمها كجزء من دولته العميقة المتجذرة في مفاصل الدولة.
"هـ" الحرف الثاني، وهو الحرف الأول من اسم الولائي المتجذر بالخمينية والخامنئية "هادي العامري" زعيم ميليشيا "بدر" الولائية وتحالف الميليشيات السياسي "تحالف الفتح".
قاتل هادي العامري بصفوف الجيش الإيراني ضد الجيش العراقي في معركة القادسية الثانية، وأعلن وقتها أنه رهن إشارة الخميني في الحرب والسلم، دخل العامري العراق بعد اجتياح تحالف الصادات الثلاث للعراق، وكانت ميليشيات "بدر" هي نواة تأسيس "لواء الذئب" و "مغاوير الداخلية" التي ارتكبت أبشع الجرائم بتاريخ العراق الحديث والمعاصر، بممارستها القتل على الهوية والتهجير القسري بحق شعب العراق وبدعم من الجنرال الأمريكي "جيمس استيل"، الذي كان يتخذ من مقر المكتبة العامة في سامراء مقرا لهذه العصابات الإجرامية التي أوغلت بدماء العراقيين والتي استخدمت لضرب حواضن المقاومة العراقية "الحقيقية" خدمة للاحتلال الأمريكي.
فرض العامري سطوته في الدولة منذ بداية مشهد الحكم الميليشياوي عام 2003 وحتى اللحظة من خلال خطين:
الأول: الدمى التي غرسها العامري في المؤسسات الحكومية وجعلها طيعة لخدمة مشروعه الولائي للولي الفقيه الإيراني.
والخط الثاني: هو سلطة القتل والبطش والإجرام التي يمتلكها العامري من خلال تحكمه بميليشيا بدر الإجرامية وسيطرة عناصرها على الشرطة الاتحادية.
واستطاع العامري أن يجمع الميليشيات الولائية بتشكيل سياسي هو الأخطر في العراق تحت مسمى "تحالف الفتح"، الذي استحوذ على مقاعد برلمانية في انتخابات عام 2018 التي شهدت تزويرا كبيرا لصالح الميليشيات، وكان الهدف هو لمنح الحصانة لقادة الميليشيات من خلال الحضور بالمشهد السياسي الولائي الذي يعبث في العراق، حتى كان العامري هو أحد الأركان الثلاثة لتشكيل الحكومة واختيار الوزراء والمدراء العاملين والعابثين في العراق من خلال احتكار السلطة بقبضتهم وتسيدهم المشهد الولائي الخارجي المعادي للعراق.
"م" الحرف الثالث من الاسم الثلاثي هو الحرف الأول من اسم "مقتدى الصدر" زعيم ميليشيا "جيش المهدي" و"سرايا السلام" الولائية، وزعيم التيار الصدري الإرهابي الذي يغير لونه مثل الحرباء في كل انتخابات، لكنه مستمر بخط الإجرام الذي يمارسه منذ 2003 عندما استقبل الأمريكان في صحراء النجف وحرم قتالهم "في لقاء متلفز على قناة الجزيرة".
ساهم الصدر بتشكيلات "لواء الذئب" و"مغاوير الداخلية" سيئة الصيت التي فتكت بالشعب العراقي في كل مكان دخلته، وخاض الصدر معارك لصالح الاحتلال الأمريكي من خلال ضرب حواضن المقاومة العراقية السنية في الحرب الطائفية التي شنتها ميليشيا جيش المهدي عام 2006 بدعم إيراني، ذهب ضحيتها الآلاف من العراقيين وتم الاستيلاء على منازلهم وممتلكاتهم فضلا عن اغتصاب المساجد وتحويلها لمقرات لجيش المهدي أو مكبات للنفايات ورعي الأبقار، وبمشهد إجرامي عالق في الأذهان يظهر به عناصر ميليشيا جيش المهدي وهم يعلقون مؤذن مسجد في بغداد في منارة جامع "فتاح باشا" ليفجروا المنارة به.
كما أن الصدر كان بمثابة الأفعى التي باضت وأفقست بيوضها المتمثلة بـ (ميليشيا عصائب أهل الحق، وميليشيا حركة النجباء، وميليشيا جيش المؤمل، وميليشيا كتائب الإمام...الخ)، إذ شهد العالم أجمع بجرائم الولائي "مقتدى سدة" أو "مقتدى بطة" كما يلقب بالشارع العراقي لارتكابه جرائم قتل لا تحصى، وما زالت جريمة قتل فريق التايكواندو العراقي بقيادة أحمد الحجية وإخفاء جثثهم شاهد على بشاعة هذه الجريمة المدونة ضده في وزارة الداخلية، لكنها أخفيت بحكم سلطته.
يسيطر مقتدى الصدر بالمشهد السياسي العراقي من خلال عصابات التيار الصدري الولائية التي تمتلك عددا كبيرا من المناصب في مؤسسات الحكومة العسكرية والمدنية التي مكنت الصدر من فرض سطوته على المشهد العراقي، وأيضا من خلال الميليشيات الصدرية "سرايا السلام" والمعروفة بالشارع العراقي بـ "الصكاكه" أي القتلة الذين يمارس الصدر من خلالهم هوايته المحببة القتل مثلما فعلوا بـ "ثوار تشرين"، والصدر استخدمته إيران في عدة مرات لحماية العملية السياسية من السقوط؛ عندما أخرج قطيعه بحجة الإصلاح ليحمي حكومة العبادي، وعرف في وقتها باعتصام الخيمة الخضراء، بعد أن استطاع من خلالها الحصول على أكبر عدد من الوزراء، واليوم يمارس إجرامه من خلال عصابة "القبعات الزرق" الولائية الذين زجهم بين ثوار تشرين لتقوم بقتل ثوار تشرين خدمة لإيران واستمرارا لحكم الميليشيات.
إن المشهد السياسي المحتكر في العراق الذي أقصى جميع المكونات واستأثر بالسلطة لصالح ثلاثي "نهم" مستخدما أحزاب وتيارات محسوبة زورا على سنة العراق والمكونات الأخرى والذين لا يمتلكون رأيا ولا صوتا، فهم يمارسون المهام الموكلة لهم من قبل "الثلاثي" الذي فرض أحزابا ينصب عملها لصالح الولاءات الخارجية والذي يحركه من الداخل هم الثلاثي "النهم".
إن احتكار السلطة بيد ثلاثة مجرمين ولائيين لن يزيد العراق إلا دمارا وتفككا للنسيج المجتمعي الذي يعبث به "النهميون" بخطابات طائفية وأعمال إجرامية طالت جميع العراقيين الذين لم يسلموا من إجرام الميليشيات القمعية التي يقودها الثلاثي الولائي المتحكم بالسلطة على حساب العراقيين المسحوقين بآلة القتل والتدمير الولائية لإيران وأمريكا.