المراة العراقية- واقع مأساوي يقتضي التغيير
د. فاطمة العاني
واقع مأساوي تعيشه المرأة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، فرغم مزاعم جلب الديمقراطية والسلام وغيرها من الشعارات الكاذبة التي رفعتها إدارة بوش الابن، إلا أن واقع العراق هو دمار شامل ظلم وفساد وطائفية، والمرأة العراقية جزء من ضحايا هذا الدمار، فقد استهدفت المرأة العراقية بمحاولة زرع أفكار دخيلة لهدم الأسرة وتشتيتها كالحط من قيمة المرأة وامتهان كرامتها، ولم يتعدى انجاز الاحتلال الأمريكية في ملف حقوق المرأة سوى تخصيص عدد أكبر من المقاعد للنساء في البرلمان، أما الكرامة الإنسانية للمرأة فأول من تجرأ على انتهاكها هو الاحتلال الأمريكي وحكوماته المتعاقبة حتى وصل الحال إلى أن تصبح المرأة سلعة في حالات النزاعات العشائرية، وكأننا نمر بعصر الجاهلية، وقد ترك الاحتلال آثارا سلبية كبيرة على المرأة العراقية عندما استخدم الأسلحة المحرمة دوليا في استهداف الأبرياء داخل المدن مما أدى إلى ازدياد أعداد الأرامل والأيتام في العراق، فضلا عما سببته العملية السياسية الطائفية التي فجرت صراعا طائفيا عن طريق الميليشيات الإرهابية الموالية والمؤتمرة بأوامر إيرانية التي قتلت وغيبت آلاف العراقيين بدوافع طائفية لزعزعة أمن واستقرار العراق، ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل سياسة القتل أصبحت هدفا لكل من يعارض السلطة وحكم الأحزاب والميليشيات في العراق حتى أصبحنا نشاهد اغتيال وتغييب قسري للمرأة العراقية كما حصل في مظاهرات تشرين، وارتكاب المجازر بحق الأبرياء من الرجال والنساء.
وعلى الرغم من ارتفاع أعداد الأرامل البالغ خمسة ملايين أرملة تقريبا بحسب الإحصاءات الدولية إلا أن الحكومات في العراق تتجاهل هذا الملف كليا لتستمر معاناتهن التي تبدأ من البحث عن لقمة العيش لإعالة أولادهن الأيتام والاضطرار أحيانا للخروج إلى العمل برفقة أيتامهن أو اللجوء إلى زج الأطفال بالعمل خوفا على كرامتهن.
وما تزال أعداد كبيرة من الأرامل والأيتام في مخيمات النزوح تحرم من أبسط مقومات الحياة الإنسانية والخدمات الأساسية، ويعانون من الانتهاكات والاستغلال البدني والتحرش الجنسي، وحرمانهم من الأوراق الثبوتية التي تسمح لهم بالحصول على بعض الخدمات الأساسية، فحرمن من الإعانة الاجتماعية وتسجيل أطفالهن في المدارس. أما معاناة الأرامل غير النازحات فلا تقل بؤسا وشقاء مما عرض هذه الشريحة إلى الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر.
وبسبب تفسي الفساد الحكومي في مؤسسات الدولة وانتشار الفقر وارتفاع نسبة البطالة في العراق؛ ارتفعت معدلات الطلاق بنسبة مخيفة؛ فبحسب مجلس القضاء الأعلى فإن عدد حالات الزواج في النصف الأول من عام 2019 قد بلغ 149459 مقابل 33970 حالة طلاق أي إن 25% من حالات الزواج تنتهي بالطلاق، والاستقرار المادي هو أهم عامل لاستقرار الأسرة، والحكومة لم تستطع تأمين رواتب الموظفين!
إضافة إلى أن العنف الأسري يعد ثاني أهم أسباب الطلاق والحكومة تتعمد إهمال تشريع القوانين التي تضع حدا الظاهرة وعلى الرغم من المطالبات الدولية والحقوقية المتكررة للإسراع في سن القوانين التي تحمي المرأة العراقية من الانتهاكات، إلا أن أحزاب السلطة تتنكر ولا تريد أن تعترف بحقوق المرأة كجزء فاعل في بناء الأسرة والمجتمع، بل إن الحكومة وميليشياتها مسؤولة عن انتشار المخدرات بين أبناء الشعب العراقي للإمعان في انهياره لمصلحة الاقتصاد الإيراني.
وعلى الرغم من التحذيرات الأممية عام 2019 من وجود 3.3 من النساء العراقيات بحاجة للمساعدة إلا أن تجاهل الحكومة لهذه التحذيرات مستمر فالإعانات المالية للأرامل إن وجدت فهي قليلة جدا وبسبب الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة فإنه يمنع وصول الأموال إلى مستحقيها؛ وقد أدى الفساد الحكومي إلى ضياع ونهب ثروات العراق والاقتراض من صندوق النقد الدولي مما تسبب في الحد من إعانة ومساعدة الفقراء وخاصة النساء التي هي بالأصل شحيحة؛ وهذا سبب آخر أدى إلى ارتفاع أعداد النساء العاملات في أعمال ذات مردود مادي قليل في ظروف مهينة وأعمال تفوق قدراتهن البدنية، وليس فقط النساء بل أيضا أبناؤهن، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الأعمال خطيرة، ومن لم يتمكن من الحصول على عمل أصبح مصيره افتراش الشوارع والتسول؛ وباعتراف الأمم المتحدة فإن العراق استطاع القضاء على الأمية في القرن العشرين، وكان مساره واضحا في تشجيع التعليم وبناء المدارس وتشريع قوانين إلزامية للتعليم إسوة بالدول المتقدمة؛ أما الواقع الحالي فيشير إلى عكس ذلك تماما فشبح الأمية عاد تدريجيا خاصة بين النساء، كما أن التمييز بين الجنسين واضح فنسبة الإناث اللواتي لا يذهبن إلى المدارس أعلى من الذكور بسبب انعدام الأمن وعدم استقرار الأوضاع وقلة الحصول على فرص عمل كلها دعت إلى عزوف الإناث عن الدراسة؛ وبالتالي تراجع دور المرأة في المجتمع في ظل غياب الدولة وتراخيها في تطبيق قانون إلزامية التعليم، والنساء اللواتي يطالبن بحقوقهن من خلال مشاركتهم في المظاهرات يتعرضن لانتهاكات جسيمة من قبل القوات الحكومية وميلشياتها وما حصل في تظاهرات الخريجات يؤكد النهج الحكومة في الحط من كرامة المرأة العراقية.
ولكي تعود المرأة العراقية إلى ممارسة دورها الطبيعي في تحقيق الاستقرار والتقدم والتطور في المجتمع فلا بد من تغيير واقع المرأة الحالي جذريا وشاملا يضمن حاضر العراق ومستقبله.