الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات كبيرهم الذي علمهم السحر ..

كبيرهم الذي علمهم السحر ..

بقلم/ ثائرة أكرم العكيدي

كاتبة وباحثة

مازالت الكثير يعول على أصحاب الألسن المعسولة لأنها سبيل الإقناع ووسيلة فعالة في منهج الحياة وحتى وإن بدأ اللسان يتحول تدريجيا في عصرنا الحاضر إلى لسان ساحر يرمي بشباكه على الشخوص فينصاعون ويصدقون الوعود، واليوم نحن نمضي إلى عصر أبكم، تكثر فيه الخطابات الألكترونية الهزيلة لسياسي الصدفة والمواطن البسيط بحكم الفطرة التي يملكها يصدق هذه الفصاحة البكماء، لأنها تحتل جانبا مهما في الدعاية والإعلان.

كما أن غشاوة العين أمست منتشرة في مجتمعنا العراقي, فمبجرد أن تطبل وسائل الإعلام لفلان من الناس؛ انقاد المجتمع له دون تفكير أو البحث عن حقيقته، بالمقابل عندما يستهدف الإعلام شخصا آخر، ترى المجتمع ينفر منه وينكل به. وهذا هو الانقياد الأعمى للإعلام بدون تفكير ومصادرة واضحة للعقل

السوداني جاء رئيسا للوزراء، وطرح برنامجا تغلب عليه الأوهام وعدم الواقعية في محاولة تجميل الصورة القبيحة للصوص الذين تسلطوا على رقاب العراقيين منذ 2003، وإظهارهم بمظهر من يريد الخير للعراق؛ وبدأ الإعلام بتزوير الحقائق وقلبها لصالح الحكومة الجديدة وهنا وقع الشعب في المصيدة، باندفاعه نحو ما قام به السوداني من إزاحة بعض المدراء والمسؤولين المتهمين بالفساد؛ ليتبين فيما بعد أنها حالة من الصراع على النفوذ بين زعماء المافيات المتحكمين بالمشهد العراقي وفساده.

المالكي ولقائة بالسوداني يريد أن يوصل رسالة مفادها: أنه لا تغيير يحصل بالحكومة التي صنعها دون إذنه، موحيا أن السوداني صناعته، ولن يجرؤ على التمرد؛ لكنه يعلم بالوقائع أن مسيرة بنيان القادة الشيعة منذ استلامهم للحكم في العراق، قامت على تمرد وانشقاق الصغار على أوليائهم الكبار؛ فلطالما كان للسوداني ممرا واحدا فيه الكثير من المخاطر الكارثية التي تكلفه ثمناً يتجاوز منصبه الحالي، ذلك الممر هو تطمينات واشنطن ودعمها لخطواته عبر السفيرة ألينا رومانسكي..

إذا ما حاولنا جدلا تصديق تكهنات تمرد السوداني على المالكي التي بدت كمزحة، لم تتبلور إلى حد اللحظة مساراتها الواقعية، رغم الضجة الإعلامية، فهل يمكن للسوداني أن يتمرد على المالكي بالانضمام إلى حلف الشعب، مؤكد هذا يعود إلى ما يفكر فيه كشخص وسياسي ولا يتوقف عند حدود ما يوفره له المنصب الحالي من إمكانيات هائلة، لأن أصحاب المبادئ الحقيقيين يتوقعون حين يواجهون الزيف والكذب وأعمدته غياب تلك المكاسب، وتراكم الكثير من المشكلات الشخصية، وفقدان المنصب والجاه وحتى الوظيفة.

كان يمكن أن يقدر الشعب العراقي للسوداني النجاح ولو كان بسيطا لو عمل بفريق عراقي صرف وطني، وهو كما يقول مطلع على مساوئ ما بعد 2003 والفساد المستشري في المؤسسات الحكومية، لكن هذا يتوقف على تحديد موقفه مِن ثنائية الجيش والحشد الولائي، وما يريد المالكي مِن إنشاء حرس ثوري، بحسب تسريباته التي كان لزاما على المالكي أن يحاكم عليها لو كان في العراق دولة وطنية وقضاء مستقل، لكن حقيقة السوداني هو معول بيد المخربين، وظيفته دفع الرواتب وإصدار الجوازات لا أكثر. نجده مخيراً بين العِراق والخنوع، فالمالكي وفق عقيدته لا يعترف بوطن اسمه العراق

نحن اليوم نقف متوجسين من تصريحات السوداني حين قال: إنه خرج من حزب الدعوة، وهو مستقل بنفسه، وبالتأكيد هذا التصريح له أهدافه، التي قد يكون من بينها إعطاء مرونة لحزب الدعوة ورئيسه في التنصل من المسؤوليات العامة، لما قد يرتكبه المرشح خلال مسؤوليته في رئاسة الحكومة من أخطاء ومساوئ سياسية، بعد فقدان حزب الدعوة للسلطة التنفيذية المباشرة بعد عام 2014.

حزب الدعوة الذي بدأت خليته الأولى (1959)، وساهم بنشر ما يسمى "الصحوة الدينية المدمرة"، ظهر أنّه عاجز على إبراز قادة يمكن أن يتحملوا مسؤولية قيادة البلاد، فلم يقدم إلا المملوء بغضاً للعِراق والعِراقيين ومن لا يُجيد سوى التّحريض على اقتتال العراقيين، أمثال إبراهيم الجعفري، والمالكي؛ الذين عندما تسلموا السلطة، صار عنواناً للتجاوز للقتل والفساد والتهجير ونهب العقارات، ودعم الميليشيات، حتى خرج أبشع المجرمين والقتلة بإشرافهم، وتبجحوا بالإجرام حتى أصبحوا يرغمون العراقيين على تمجيد المجرمين والقتلة، وهنا يتساءل الكثيرون هل يمكن لمحمد شياع تجاوز المالكي وعدم الخوف من بطشه وغضبه باعتباره هم من صنع السوداني ويتحكم به كيفما شاء ووقت ما أراد؟.

وبالنظر لوصول السوداني إلى رئاسة الحكومة يمكن الجزم باستحالة خروج السوداني عن الإطار الذي يحدده المالكي؛ وهذا يعني أن العراق عاد ليقع بين براثن الذين نهبوه وخربوه وأفسدوا مؤسساته، وحولوا سيادته إلى لعبة كرة القدم ( الطوبة) تتحرك بين أقدام اللاعبين يركلونها من شخص لآخر .

ولربما يفكر السوداني أو يتراءى له أنه مهيأ لقيادة البلد عبر رئاسة الوزارة، باعتبار الصلاحيات التي منحها له الدستور، والإمكانيات العسكرية والأمنية، ظانًا في نفسه توفر إمكانيات النجاح ومحاولة التقرب إلى الشعب..؛ لكن نظام الحكم بعد 2033 تسيطر عليه الأحزاب الفاسدة والميليشيات المجرمة ولا يسمح لقائد سياسي أو حكومي الخروج عن محددات العملية الساسية التي هم وضعوها، فعراق اليوم الإمكانيات الوظيفية وحدها لا تكفي لإدارة البلاد، لوجود المحاصصة الطائفية وهيمنة الميليشيات.

ولذلك بدأ السوداني في خطواته الأولى باسترضاء الميليشيات، لجذب ودّها، ورشا قادتها؛ مثل فضيحة تعيين قائد ميليشياوي بوظيفة وزير التعليم العالي، رغم أن شهادته غير معترف بها، وغيره من ممثلي الميليشيات في الحكومة. وملأ السوداني مكتبه بمجموعة بعناصر أقل ما توصف بتدني مستواها العلمي والثقافي قبل السياسية، وما يميزها انتماؤها الميليشياوي، ولذلك أقول إن بهرجة التغيير ومحاربة الفساد تبقى في إطار التصريحات الإعرامية، لأن نوري المالكي ومن خلفه طهران، لن يسمحوا حتى بمحاولة الإصلاح؛ خصوصا أن حزب الدعوة الذي ينتمي إليه السوداني وما يزال لاعبا رئيسيا في العملية السياسية، كان وما يزال عصابة وأداة بيد إيران تتحرك وفق مصالحها؛ ولذلك ترى الشعب العراقي يتأسف ويتألم على ما انتهى إليه العراق بأيدي عصابات إيران.

ولذلك فإن تصريحات السوداني بتطهير حكومته من الضعفاء والفاسدين والمعطلين لمشروع الإصلاح، لن تسير حتى وإن حسنت النوايا؛ فأول عائق يواجه السوداني هو ارتباطه الوثيق بالمالكي، حتى قيل إنه ظله وأن المالكي عاد بشخص السوداني كي يكمل مابدأه..

مقالات متعلقة