قانون العفو العام بين العدالة المفقودة وحماية الفاسدين
بقلم/ ياسين التميمي
في ظل أوضاع سياسية وقضائية غير طبيعية، أقر مجلس النواب العراقي قانون العفو العام، الذي كان من المفترض أن يكون خطوة نحو تحقيق العدالة وإنصاف المظلومين. لكن الواقع كشف أن هذا القانون تحول إلى أداة سياسية لتصفية الحسابات وحماية الفاسدين، بدلًا من أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة. فبدلًا من أن يشمل الأبرياء الذين زُج بهم في السجون ظلمًا، أصبح القانون غطاءً قانونيًا لإفلات كبار المسؤولين والفاسدين من العقاب.
وكانت هيئة علماء المسلمين قد صرحت بأن: القانون مفرغ من محتواه، وأصدرت بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن قانون العفو العام جاء مفرغًا من محتواه الحقيقي، وخضع لصفقات سياسية بين الأحزاب المتنفذة. وأشار البيان إلى أن القانون استُخدم كأداة لتحقيق مكاسب انتخابية، بدلًا من أن يكون وسيلة لإنصاف المعتقلين الأبرياء. كما أشارت الهيئة إلى أن القانون صُمم بشكل يسمح بالإفراج عن الفاسدين ومجرمي الميليشيات، بينما تم تقييد مواده بحيث لا تشمل المعتقلين المظلومين الذين اعتُقلوا بناءً على تهم كيدية أو وشايات المخبر السري.
ولم يكن هذا أول قانون عفو عام يُقر في العراق. ففي عام 2016، تم إقرار قانون مماثل كان من المفترض أن يُطلق سراح المعتقلين الأبرياء. لكن الواقع كان مخيبًا للآمال، حيث لم يتم تنفيذ القانون، بل تضاعف عدد المعتقلين، خاصة في المحافظات السنية. وأكدت التقارير الحقوقية أن الاعتقالات التعسفية استمرت، وأن السجون امتلأت بعشرات الآلاف من الأبرياء، ما كشف زيف الوعود الحكومية بإصلاح القضاء وإنهاء الظلم.
بل كان التمييز الطائفي فجا فيما يسمى قانون العفو العام
فقد أكد مراقبون أن القانون الجديد يحمل تمييزًا طائفيًا واضحًا في تطبيقه. فبحسب تصريحات نائب عن كتلة صادقون التابعة لمليشيا العصائب، فإن "الشيعي المتهم والمحكوم سيعود إلى بيته مباشرة، بينما السني لن يشمله العفو". هذا التصريح يكشف بوضوح أن القانون صُمم لخدمة فئات معينة، بينما يُحرم منه آخرون، مما يزيد من حدة الانقسام الطائفي في العراق.
وبدلًا من أن يكون قانون العفو العام وسيلة لإنصاف المظلومين، تحول إلى أداة لحماية الفاسدين. فقد شمل القانون قضايا الاختلاس وتزوير الشهادات وسرقة المال العام، مما أتاح للإدارات الفاسدة فرصة للتهرب من المساءلة. وأكد المحلل السياسي داوود سلمان أن القانون تم تمريره بضغوط سياسية لحماية مسؤولين متورطين في قضايا فساد ضخمة، بينما لم يُتخذ أي إجراء جاد لحماية المظلومين الذين ما زالوا يقبعون في السجون.
ردود فعل شعبية ودولية
وأثار تمرير القانون موجة غضب واسعة في الشارع العراقي، حيث اعتبره المواطنون خيانة لحقوقهم. كما أصدرت منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تقارير تؤكد أن القضاء العراقي يفتقر إلى النزاهة، وأن الاعترافات لا تزال تُنتزع تحت التعذيب، مما يجعل أي حديث عن العفو العام مجرد دعاية سياسية.
العدالة المفقودة
قانون العفو العام في العراق، بصيغته الحالية، لم يكن سوى انعكاس لصراعات سياسية تخدم مصالح النخبة الحاكمة على حساب العدالة الحقيقية. فبدلًا من أن يكون وسيلة لإنصاف المعتقلين الأبرياء، أصبح غطاءً لحماية الفاسدين وضمان إفلاتهم من العقاب.
إذا لم يتم إصلاح النظام القضائي العراقي جذريًا، وضمان محاكمات عادلة، وإلغاء الاعتماد على المخبر السري والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، فإن أي قانون للعفو العام لن يكون سوى إجراء صوري يُستخدم لخداع الرأي العام وتصفية الحسابات السياسية، دون أن يغير شيئًا في الواقع المأساوي للمظلومين في السجون العراقية.