بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
رغم عشرات المليارات من الدولارات التي تدخل خزائن العراق من مبيعات النفط إلا أنه يعاني من أشد الأزمات التي تعيشها العديد من بلدان العالم الثالث التي تفتقر إلى أي من مصادر الدخل، حيث اتفق الجميع على أن الفساد السياسي وراء كل ما يحدث وأي خطط أو توجهات نحو الاقتصاد لا يتزامن معها تحول سياسي قد يكون الفشل هو نصيبها الأكبر.
ولا يقل المشهد الاقتصادي العراقي تعقيدا عن المشهد السياسي؛ فالتحديات التي واجهة الإصلاح الاقتصادي ودهوز أركانه كبيرة تتمثل بفاسد الحكومات ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية ومؤسسات الصحة والتعليم والمالية.
حتى أصبحت الحكومة عاجزة عن تنفيذ برامجها الاقتصادي التي تضعها لأن الاقتصاد العراقي يتيم يعتمد على النفط فقط فلا يوجد ناتج محلي إجمالي ولا تشجيع للصناعة المحلية والزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن فتح استيراد البضائع بدون ضوابط.
وعد السوداني بمكافحة الفساد المالي والإداري، ومعالجة البطالة، ورفع قيمة الدينار العراقي، وإخراج الجيش والفصائل المسلحة في المدن، وإجراء إصلاحات في القطاعات الاقتصادية والمالية والخدمية.
وبعد مرور عشرين عاما على الاحتلال "المحرر" وحكوماته المتعاقبة، ما زال الشعب العراقي يعاني، فالشيعة الذين تاجر السياسيون بمظلوميتهم ليصلوا إلى السلطة مازال الكثير منهم يعيش في مساكن عشوائية، تحاصرهم الأمراض والأوبئة أسوة ببقية العراقيين.
ولم يكن الاحتلال الأميركي بعيدا عن مشروع تدمير العراق فهيمنته على القرار الاقتصادي والسياسي مع إيران أضر بالعراق وشعبه، فأمريكا تتحكم في موارد العراق المالية عبر صندوق تنمية العراق (DFI) تحت إشراف بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بحجة حمايتها من الملاحقات القضائية من الدائنين والمطالبين بالتعويضات، كان له أثر سلبي في تبديد أموال طائلة وتوفير الغطاءات للفاسدين، أفراداً كانوا أو مؤسسات أو شركات، واستمرار الدوران في حلقة مفرغة في ملفات حساسة وحيوية، من قبيل ملفي الكهرباء والنفط.
ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في تحقيق الحد الأدنى من تحسين البنية التحتية للبلد ورفع مستوى معيشة المواطن البائس ولم تفلح الموازنات الانفجارية للسنوات السابقة في توفير الاكتفاء الذاتي من الطاقة وتحسين مستوى الطرق وإدامة شبكات الماء والمجاري، من جانب آخر لم تنجح الحكومة في إقرار قوانين وتشريعات قادرة على تنشيط القطاع الخاص.
وخلال الأعوام الثلاثة الماضية تعرض الاقتصاد العراقي لانتكاسات كبيرة، تسببت بزيادة معاناة شرائح اجتماعية كثيرة، زادت من معدلات الفقر، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها، ولا سيما بعد خفض قيمة الدينار وتصاعد معدلات التضخم.
من بين عوامل فشل ودمار الاقتصاد العراقي هو غياب التخطيط السليم وتعدد مراكز القرار المحكومة بأمزجة سياسية وتفكير ضيق ومحدود، ناهيك عن تفشي الفساد الإداري والمالي في مختلف مفاصل الدولة، يتجلى ذلك بالمشاريع المتلكئة والفاشلة والمتوقفة والأساليب العقيمة في معالجة البطالة، من خلال التوظيف الحكومي، بدلاً من إصلاح القطاع الصناعي والزراعي، وتفعيل القطاع الخاص، وتهيئة البيئة الاستثمارية الجاذبة، وليس الطاردة لرؤوس الأموال.
إن سبب المشكلة في العراق سياسية في المقام الأول فتعيين المسؤولين هو على أساس المحاصصة وليس الكفاءة والمهنية، فغالب من تسلموا المناصب الاقتصادية ليس لهم علاقة بالاقتصاد، والأمر لا يقتصر على الوزراء، وإنما طال الوكلاء والمدراء وحتى الموظفين لأنها حصة الحزب الفلاني، والأمثلة على ذلك كثيرة فمثلا قام رئيس البرلمان بتكليف شخص ليكون مستشارا اقتصاديا له، مع أنه يحمل شهادة بكالوريوس في القانون عام 2014، فكيف نتحدث هنا عن إصلاح اقتصادي ومن الذي يتولى عملية الإصلاح!.
فمن يريد الإصلاح عليه محاربة الفساد أولا، لأنه الخطوة الأولى باتجاه الإصلاح الاقتصادي، لكن مشكلة الاقتصاد في العراق هو أن الفلسفة الاقتصادية غير واضحة ومتخبطة، رغم أن المادة 25 في الدستور تشير إلى ضرورة إعادة بناء الاقتصاد على أسس حديثة واستثمار موارده ودعم القطاع الخاص، لكن هذه المادة لا تشير إلى تحول نحو اقتصاد السوق ولا إلى تعزيز العمل بالاقتصاد اشتراكي أو اقتصاد مختلط، هذه المادة يمكن أن تفسيرها أي من الموجودين وفق ما يراه مناسبا.
ومن أجل تحقيق الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي في العراق، لا بد من العمل على تحسين مناخ الاستثمار، الذي يتطلب الاستقرار الأمني واستقلال القضاء وإصلاحه، لاعتماد باقي مؤسسات الدولة على عدالته واستقلاليته، واعتماد دستور يواكب التطورات التي حصلت في العالم، وهذا يتطلب إزالة ورفع كل القوانين الجائرة والتي تعزز انقسام المجتمع وتهميشه ومحاربة الطائفية التي رسخها دستور 2005، آخذين في الاعتبار أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، وحرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية الانتماء الحزبي، والأمن الإنساني، وأمن الفرد، هذه جميعاً تمثل مقدمات أساسية وضرورية لتحسين مناخ استثمار مناسب لتحقيق التنمية الاقتصادية وجلب الاستثمار الأجنبي المباشر.
ولا يمكن للإصلاح الاقتصادي أن يبدأ ما لم يسبقه إصلاح سياسي، فمشكلتنا ليست مشكلة اقتصاد بقدر ما هي مشكلة سياسة.
الكفاءة والمهنية..