الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات (فايروس) العملية السياسية


المؤلف: جهاد بشير

ربما كانت أبلغ شعارات شباب ثورة تشرين في العراق؛ هي تلك التي وصفوا فيها السياسيين وأحزابهم بأنهم أشد خطرًا من (فايروس كورونا) الذي شاع بأنه الرقم واحد في بث الرعب بين الناس ليس على الصعيدين المحلي والإقليمي فقط، بل على المستوى العالمي كلّه.

الوعي الذي يؤطر مظاهرات العراق لم يكن وليد لحظته، بل هو نتاج لتراكمات سابقة على مدى سنوات طوال؛ أثبتت العملية السياسية خلالها أنها (فايروس) حقيقي أوْهن جسد العراق وضيّق على شعبه سبل تعاطي الدواء، حتى وصل إلى هذه المرحلة التي قد توصف بأنها خطوة أولى في طريق القضاء على هذا المرض تتمثل بتشخيص حقيقته ومعرفة مسبباته وتأثيراته، تمهيدًا لوصف العلاج الناجع الذي يُبرئ البلاد ويزيل عنها البأس.

“تسعى حكومة بغداد لاستثمار حالة المخاوف هذه لإضعاف انتفاضة شباب العراق وثورتهم”

وحينما يأخذ الحديث مجراه في هذا الموضوع، فإن القضايا المتداولة في المشهد العراقي تتسق مع بعضها حتّى وإن كانت كل واحدة منها مختلفة عن الأخرى في طبيعتها وتداعياتها، الأمر الذي يمهّد لصناعة تصوّر عن مدى تعقيد الحالة العراقية الشائكة، بخلاف ما يزعم بشأنها صنف من الرأي العام والإعلام الموجه بأنها ستكون على نحو أفضل حينما يتم الإعلان عن تشكيلة الحكومة في نسختها الاحتلالية الثامنة.

إن مجرّد إخلاف الأحزاب السياسية وعدها مجددًا ـ كما هو سائد في العملية السياسية ـ بعدم الإعلان عن التشكيلة الوزارية التي كان من المفترض أن تكون عشية الخامس والعشرين من شباط حيث موقف جديد لثورة تشرين يتمثل بالتحشيد الرافض لمنهجية القوى السياسية وخياراتها في الترقيع وتفادي بلوغ المراحل الدنيا من الانهيار؛ لهو بحدّ ذاته عَرَض مرضي لا يُقبل في توصيفه إلا الإقرار بأنه داءٌ لا بَراءَ منه إلا بالاستئصال.

“استغلال ظاهرة مفترضة لفوضى يمكن أن تُطرح لإشغال الجماهير وصرفهم عن مراقبة أحزاب العملية السياسية ومحاسبتها”

يتمادى المشهد بالتعقيد مع الترقب المصاحب للإعلان عن إصابات بمرض كورونا الجديد بدأت تظهر في العراق، ومما يزيد الأمر سوءًا أن جميع الحالات ذات الصلة بهذا المرض متعلقة بإيران التي أمست بؤرة للفايروس القاتل وأخذت تصّدره لدول الجوار ؛ إذ أعلنت الكويت والإمارات والبحرين ظهور المرض فيها عبر مسافرين قدموا من هناك.. لتمسي شعوب المنطقة كارهة أكثر من أي وقت مضى وهي تنظر إلى إيران بوصفها بؤرة شر حقيقية تهدد الحياة بإنسانيتها، بعدما كانت النعوت تتوقف عند حدود المشروع السياسي والاقتصادي، فضلاً عن العقدي، الأمر الذي يزيد من حالة الغضب الجماهيري والشعبي ولاسيما في العراق حيث المعاناة من سلطة حكومية مستخذية تحت أقدام طهران وتسعى لتحقق لها طموحاتها على حساب حياة ومستقبل العراقيين.

وفي الوقت الذي بدأت بعض فواه المتصدرين في المشهد السياسي تتحدث عن مخاطر (كورونا) على الشارع العراقي؛ يُتوقع أن تسعى حكومة بغداد لاستثمار حالة المخاوف هذه لإضعاف انتفاضة شباب العراق وثورتهم، واستغلال ظاهرة مفترضة لفوضى يمكن أن تُطرح لإشغال الجماهير وصرفهم عن مراقبة أحزاب العملية السياسية ومحاسبتها؛ ولعل في التصرفات الحكومية غير المبالية بما قد يصيب الشعب العراقي، وإبقاء الصِّلات مع إيران مفتوحة الأبواب، بالتزامن مع إهمال مفضوح على الجانب الصحيّ تسبب بأزمات جديدة على الصعيدين الطبي والاقتصادي؛ ضرب من ضروب اللعب على عامل الزمن وتطوّرات الأحداث، ليتكمن (فايروس) العملية السياسية من المحافظة على حاضنته (الخضراء) بما يهيء له مرحلة جديدة للتكاثر والبقاء

مقالات متعلقة