الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات عوامل نجاح الجيوإستراتيجية الإيرانية مقومات التأثير الإقليمي وآفاق المستقبل

عوامل نجاح الجيوإستراتيجية الإيرانية

مقومات التأثير الإقليمي وآفاق المستقبل

عبدالله سلمان

يشير المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط إلى أن إيران برزت كلاعب إقليمي رئيسي إن لم تكن اللاعب الأبرز في رسم معادلات التوازن والتأثير. يعود هذا الدور المحوري إلى قدرتها على توظيف إمكانياتها المتعددة بفعالية لتعزيز مصالحها وتنفيذ أجندتها الإقليمية. فمن خلال مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية والأيديولوجية والاقتصادية لقد نجحت إيران في ترسيخ نفوذها وتوسيع دائرة تأثيرها على حساب منافسيها الإقليميين والدوليين. هذا التوجه ليس مجرد انعكاس لقوة إيران الذاتية بل أيضاً لفراغات إستراتيجية تركها الفاعلون الآخرون مما أتاح لها تحقيق مكاسب كبيرة في مسارات مختلفة وجعل منها محوراً لا يمكن تجاوزه في رسم مستقبل المنطقة.

يُعتبر احتلال العراق عام 2003 نقطة تحول كبرى في التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط مما أدى إلى خلق فراغ سياسي وأمني كبير وتفكك منظومة التوازن التي كانت قائمة لعقود. هذا الفراغ شكل فرصة ذهبية لإيران لاستغلال التحولات الكبرى في المشهد الإقليمي فإيران التي كانت تتحين الفرصة لتعزيز نفوذها، استخدمت أدواتها المتعددة من إمكاناتها المالية إلى شبكاتها الطائفية التي أعدتها مسبقًا ودربتها بعناية لتوسيع تأثيرها الإقليمي.

لقد لعبت إيران دورًا محوريًا في دعم ورعاية جماعات محلية مليشياوية داخل العراق بما يخدم رؤيتها الجيوإستراتيجية؛ تمكنت عبر هذه الأدوات من اختراق الساحة العراقية وتوظيف الأزمات الداخلية لتعزيز نفوذها. وفي الوقت نفسه استغلت حالة التردد والانقسام في الموقف العربي. فبعض الدول العربية أظهرت عداءً صريحًا للعراق بعد الاحتلال، فيما اعترفت معظمها بالاحتلال وحكوماته المتعاقبة رغم طابعها الطائفي وشعاراتها المعادية للعرب.

هذه العوامل المتشابكة مع التوترات الإقليمية مكّنت إيران من توجيه سياساتها نحو تحقيق نفوذ إقليمي واسع النطاق حيث استطاعت فرض نفسها كلاعب رئيسي لا غنى عنه في رسم المشهد السياسي والأمني للمنطقة.

تمكنت إيران من توسيع تأثيرها الإقليمي بفضل البيئة السياسية الهشة والفراغ الأمني الذي أعقب احتلال العراق الذي تحول إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الإقليمي والدولي وأصبح العراق كبوابة إستراتيجية لإيران لدعم وتمويل عملياتها وتحقيق مصالحها ليس فقط داخليا بل في دول أخرى بالمنطقة ولا سيما سوريا ولبنان.

كان للوجود الإيراني في العراق أهمية بالغة في تمكينها من لعب دور رئيسي في الأحداث السورية.

فمع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، استثمرت إيران مواردها لدعم نظام بشار الأسد الذي يمثل محورًا رئيسًا في إستراتيجيتها الإقليمية.

ساهم هذا الوجود الإيراني عبر سوريا في تعزيز مكانة حزب الله في لبنان الذي يمثل الذراع الأقوى لإيران في المنطقة حيث استطاعت طهران أن تمد الحزب بالسلاح والتكنولوجيا العسكرية مما مكنه من ترسيخ دوره ليس فقط كقوة عسكرية مهيمنة بل كفاعل اقتصادي وسياسي قادر على التأثير في المشهد اللبناني بأكمله. عبر الترهيب والترغيب استطاع حزب الله فرض أجندته ما أدى إلى شلل في المؤسسات السياسية اللبنانية وخلق اقتصاد مرهون بمصالح الحزب ومموليه الإيرانيين.

من خلال هذه الشبكة المترابطة من النفوذ الممتد بين العراق وسوريا ولبنان، نجحت إيران في بناء محور إستراتيجي متكامل يعزز من قدرتها على فرض أجندتها الإقليمية وضمان نفوذ طويل الأمد في وجه خصومها الإقليميين والدوليين.

والعراق ليس مجرد ساحة لنفوذ إيران؛ بل هو محور أساسي لربط استراتيجيتها الممتدة من طهران إلى دمشق وبيروت. ومن خلال السيطرة على العراق ضمنت إيران طرقًا لوجستية، وموارد اقتصادية، وأدوات سياسية وعسكرية لدعم مشروعها الإقليمي.

لعبت الميليشيات العراقية المدعومة من إيران دورًا محوريًا في تنفيذ إستراتيجية طهران الإقليمية خصوصًا في الساحة السورية سارعت إيران إلى توظيف هذه الميليشيات كقوة ميدانية مسلحة تخدم مصالحها متجاوزة الحدود الوطنية للعراق، ومكرسة ارتباطها العضوي بالمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة.

آفــاق مواجهـة الدور الإقليمي الإيراني

بما أن العراق كان نقطة الانطلاق الرئيسية للدور الإيراني الإقليمي فإن أي إستراتيجية فعالة لمواجهة المشروع الإيراني يجب أن تبدأ بتغيير النظام السياسي في العراق بشكل جذري بما يضمن تفكيك نفوذ طهران وهيمنتها؛ لأن العراق يشكل رابطًا جغرافيًا أساسيًا بين إيران وسوريا ولبنان.

السيطرة الإيرانية على العراق أمنت ممرًا بريًا إستراتيجيًا يُستخدم لنقل الأسلحة والأفراد ودعم حلفائها، خاصة حزب الله في لبنان لذا يتطلب إعادة بناء نظام سياسي قائم على استقلالية القرار الوطني بعيدًا عن التبعية الخارجية وبناء مؤسسات حكومية وطنية وإنهاء دور الميليشيات الموالية لإيران؛ إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية العراقية كعامل موحد يتجاوز الانقسامات الطائفية ودعم انخراط العراق ضمن المنظومة العربية يمكن استعادة البلاد كدولة ذات سيادة قادرة على تحقيق توازن إقليمي؛ مما سينعكس على تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة بأكملها.

ولا بد من تعزيز الهوية الوطنية العراقية وهذا يتطلب وحدة الحركات الوطنية العراقية التي تسعى لاستعادة سيادة الدولة بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، بما فيها الإيرانية.

وتعزيز خطاب الوحدة الوطنية الذي يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية مما يقلل من قدرة إيران وأذرعها المسلحة ومؤسساتها المذهبية على استخدام الورقة الطائفية لتحقيق أهدافها.

وإقليميا يجب الاعتماد على الساحة العراقية في مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، والاعتماد على الساحة العراقية في مواجهة المشروع الإيراني يتطلب إستراتيجية ذكية ودقيقة تركز على دعم الشعب العراقي لتحقيق التغيير من الداخل وينبغي أن تكون هذه الإستراتيجية قائمة على احترام استقلالية القرار العراقي وتجنب تحويله إلى أداة لتحقيق مصالح إقليمية ضيقة.

أي خلخلة للدور الإيراني في العراق ستؤدي بشكل مباشر إلى إضعاف نفوذها في سوريا ولبنان مما يضرب قلب مشروعها التوسعي وذلك بالتعاون مع القوى الوطنية العراقية الرافضة للهيمنة الخارجية مع توفير الدعم السياسي والدبلوماسي .

هذا المسار يعتمد بشكل أساسي على وحدة وتماسك القوى الوطنية العراقية التي ترفض الهيمنة الخارجية وتسعى لاستعادة القرار الوطني المستقل؛ فبدون تظافر جهود هذه القوى ووضع مصلحة العراق فوق أي اعتبارات فئوية أو طائفية سيكون من الصعب مواجهة النفوذ الإيراني المتجذر.

وحدة القوى الوطنية العراقية هي المفتاح لبناء رؤية موحدة ومتماسكة تُخرج العراق من دائرة الصراعات الإقليمية وتعيد ترتيب البيت من الداخل بما يضمن تأسيس دولة قوية ذات سيادة؛ هذه الوحدة يجب أن ترتكز على نبذ الخلافات الطائفية والسياسية والتركيز على مشروع وطني جامع يهدف إلى استعادة العراق لدوره الإقليمي كدولة مستقلة وحاضنة لكل مكوناته.

علاوة على ذلك، فإن نجاح هذه القوى في التنسيق والعمل المشترك يرسل رسالة واضحة للإيرانيين ولأي أطراف خارجية أخرى بأن العراق ليس ساحة نفوذ، بل دولة ذات قرار مستقل قادرة على رسم مسارها بما يخدم شعبها.

مقالات متعلقة