بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
في مفارقة تعكس حال العراق وكوارثة يحاول رئيس حكومة الإطار الطائفي محمد السوداني أن يسوق نفسه كساع للتغيير وملاحقة الفاسدين من غير أن يدرك أنه يدور في فلك المنظومة السياسية الفاسدة التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة ومنحته الإذن في طرق بعض الأبواب المغلقة التي تتمترس خلفه محركات دولة الطوائف من دون الغوص في كشف ما يجري خلف تلك الأبواب لإيهام الراي العام العراقي والعربي والدولي بأنه ماض في طريق الإصلاح والتغيير
إن تركة حكومات الاحتلال الماضية كبيرة وثقيلة لم يتحمل وزر مواجهتها رئيس حكومة هو من صُنع حزب الدعوة الذي أفقر العراقيين ونهب ثرواتهم خلال حكومتي المالكي التي شهدت أخطر ملفات الفساد وجرائم الميليشيات وتغول السلاح في المجتمع العراقي
وعندما نتحدث عن عدم قدرة السوداني وفشله في أدائه الحكومي فإننا نتوقف عند مافيات الفساد التي تتغول مدياتها في دولة الطوائف التي تحولت إلى ملاذ الفاسدين ومبددي المال العام لتأمين الحماية لهم وعدم ملاحقتهم في خضم صراع القوى العراقية النافذة في المشهد السياسي للاستحواذ على القرار السيادي في مشهد يكرس حال الاستقطاب السياسي والطائفي
وما يعرقل ويفشل دعوات إخراج العراق من نفق دولة الطوائف اصطدامها بتغول المتمسكين بنظام المحاصصة الطائفية والسياسية التي حالت دون تحقيق المطالب الشعبية بدولة المواطنة العابرة للطائفة والعرق على الرغم من أن هذه الدعوات تعبر عن موقف الغالبية الصامتة من العراقيين ونزوعهم إلى فضاء خال من الانتقام والاصطفاف الطائفي والتمسك بالثوابت الوطنية التي كانت على الدوام حامية لوحدة العراق ومكوناته المتآخية والمصير المشترك الذي كان هو الآخر صمام الأمان للحمة الوطنية
إن أنصار دولة المواطنة ونهجها التصالحي التي لا تستثني أحدا يواجهون تركة الاحتلال وقوانينه الاجتثاثية التي أسست لنظام المحاصصة الطائفية، مدعومة من قوى وتيارات رأت في هذه القوانين مناسبة لتكريس دورها في الحياة السياسية، والاستحواذ على القرار السياسي، وإنكار حق الآخرين في المشاركة في بناء الوطن لسد الطريق أمام القوى المدنية، ومنعها من الاضطلاع بدورها الوطني
وإخفاقات نحو 20 عاما أكدت الحاجة إلى بلورة رؤية واقعية وخارطة طريق لإنقاذ العراق من أزماته السياسية تستند إلى تكريس مبدأ المواطنة في المجتمع يكون الولاء فيه للوطن وليس للطائفة أو العرق أو الحزب
وعلى الرغم من مقاومة الرافضين لإقامة دولة المواطنة الحامية والضامنة لحقوق جميع مكونات المجتمع، فإن الفشل الذي أصاب الحياة السياسية وغياب الأمن وهدر ثروات البلاد وتغول الفساد كل هذه التحديات الخطيرة التي تواجه العراق هي من تبرز الحاجة إلى اصطفاف وطني عابر للطائفة والعرق، يجسد آمال وتطلعات الأغلبية الصامتة التي أصيبت بخيبة أمل وعانت من إخفاقات حكومات الاحتلال وآخرها حكومة السوداني التي هي نسخة مكررة لهياكل أخفقت هي الأخرى في مسارها الجديد
إن تداعيات بقاء العراق في خندق الطائفية ومخاطر نيرانه على الجميع يتطلب من الداعين إلى دولة المواطنة كبديل لدولة الطوائف بلورة برنامج وطني يستند إلى الهوية الوطنية، ويفتح الطريق للمشاركة الجماعية لإنتاج بديل ونموذج وطني يعبر عن إرادة الأغلبية الصامتة كما طالبت وتتواصل على هذا النهج انتفاضة تشرين وشعاراتها التي تتلاقى مع أهداف الداعين لدولة المواطنة
لقد آن الأوان للأغلبية الصامتة أن تفرض وجودها كرقم مهم ووازن في الحياة السياسية لتصحيح مسارها وإزاحة من تسبب بكوارث العراق عن المشهد السياسي ومحاسبتهم جراء ما ارتكبوا من جرائم بحق العراقيين
إن عبور العراق خانق دولة الطوائف وأنيابها الطائفية والميليشياوية إلى فضاء دولة المواطنة سيضع العراق على سكة الأمان ويؤسس لمرحلة السلم الأهلي بمشاركة جميع أبنائه لصياغة عقد اجتماعي ينقل العراق من حال الاستقطاب إلى حال تفكيك وتصفير أزماته.