بقلم| صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
سياسة الأرض المحروقة (السياسة في السياق العسكري التي تهدف إلى تدمير أي شيء قد يكون مفيدًا للعدو في دفاعاته أو في تقدمه، هذا بالضبط ما فعلته أمريكا في حربها ضد العراق في ١٩٩١، في فرضها حصارا همجيا قاتلا إلى ٢٠٠٣، وتدميرها للبنى التحتية بعد الاحتلال) لها في سياق كولونيالي معنى آخر: حرق البنية التحتية الاقتصادية للبلد، ورهنه باقتصاد المستعمر الأم لاستخدامه كمصدر للمواد الأولية وسوق استهلاكي لبضائع المستعمر. هذا ما تفعله إيران في العراق (وسوريا ولبنان واليمن) من ٢٠٠٣ وإلى اليوم: الاقتصاد السياسي للأرض المحروقة.
كيف نفهم هذه المنظومة الاستعمارية وما هي أهدافها بعيدًا عن المكاسب الآنية والمرحلية؟
الوسائل والآليات والجماعات التي من خلالها تتحكم إيران بالاقتصاد العراقي وثرواته وأمواله معروفة ومكشوفة للجميع بحيث تنتفي الحاجة لذكرها هنا. ما يهمنا هي البنية والإطار العام للهيمنة الإيرانية.
نظريات "تأثير الهيمنة" و"أقطاب النمو" موضع اهتمام هنا. إحدى الافتراضات الرئيسة لنظرية تأثير الهيمنة هي العلاقة اللامتكافئة بين دولة متقدمة نسبيا أو كليا في المجال الاقتصادي، ما يؤدي بدوره إلى تأثيرات غير متكافئة على البلدان التي تهيمن عليها تلك الدولة.
يتردد صدى هذا المزيج من المساحة الاقتصادية وتأثير الهيمنة في العنصر النظري الثاني فيما يسمى باستقطاب الفضاء الاقتصادي أو تشكل أقطاب النمو: قطب ينمو والآخر يضمحل. وعليه، فإن الفضاء الاقتصادي ليس مستقطبًا فحسب، ولكنه يتطابق بالضرورة مع الفضاء السياسي والايديولوجي.
في هذا السياق، تتميز "الأمة الاقتصادية" (الدولة المهيمنة) باتساق نسبي لهياكلها الاقتصادية، أي إنها تمثل مساحة منظمة مؤسساتيا، وهي عمومًا اقتصاد مهيمن، بينما يتسم الاقتصاد المهيمن عليه بالهشاشة أو الافتقار إلى الإجراءات المؤسساتية والتنظيمية، وبالتالي فهو غير قادر على ضمان نموه الاقتصادي أو تحصين اقتصاده من تدخلات خارجية.
تبعا، يتميز "تكامل" الاقتصادات الخاضعة للسيطرة في الفضاء الاقتصادي للاقتصاد المهيمن بأنه عملية تمكن الاقتصاد المهيمن من الحفاظ على معدل التراكم والسماح بإعادة الإنتاج الموسعة لاقتصاده على حساب الاقتصاد المهيمن عليه.
تشكل المساحات الاقتصادية وعملية التراكم للاقتصاد المهيمن جزءًا لا يتجزأ من النظام الإنتاجي للدولة المهيمنة. هذا يعني، إمكانية الاقتصاد المهيمن من إزاحة وتحويل أجزاء من تكلفة معالجة تناقضاته الداخلية إلى الاقتصادات المهيمن عليها.
الحد الداخلي/الخارجي يتم تفكيكه نسبيًا من خلال علاقة الهيمنة التي تؤدي إلى استيعاب أزمات الاقتصاد المهيمن على حساب الاقتصادات المهيمن عليها. الاستقرار أو حالات الأزمات في قلب الدولة المهيمنة لها تأثيرات مباشرة على الاقتصادات المهيمن عليها.
وبالمثل، يمكن للممارسات الأيديولوجية، التي تدخل هنا بشكل مباشر في عملية الإنتاج والتصدير والاستهلاك، أن تشكل من خلال مشروع الهيمنة عقيدة دولة.
الشرط الأساسي لهكذا مشروع هيمنة هو الاستقلال عن واقصاء الطبقات الشعبية من تنظيم العلاقات الاقتصادية. أخيرًا، يمكن للموقع الجغرافي الاستراتيجي أن يحدد إمكانية وشكل وفرص النجاح أو الفشل لاستراتيجية مهيمنة معينة. إن الموقع الجغرافي الاستراتيجي هو بالتالي ميزة إضافية في مشاريع الهيمنة والتخلف.
لو نظرنا الآن إلى سياسات إيران المالية والتجارية والصناعية والزراعية والمائية والعسكرية والطائفية في العراق في العقدين الماضيين سنجد كل عناصر مشروع هيمنة الاقتصاد الإيراني على اقتصادات العراق وسوريا ولبنان واليمن الخ. إضافة لذلك، يسعى الاقتصاد الإيراني إلى التوسع في الخليج العربي من خلال الاقتصادات المهيمن عليها، أي يستخدم هذه الاقتصادات كحلقات سلسلة تربطه في اقتصادات الخليج.
إذن، ليس في مصلحة الاقتصاد الإيراني المهيمن أن تتجرأ أي من الاقتصادات المهيمن عليها على الانفصال، ولو نسبي عن الاقتصاد الإيراني، لأن هذا يعني ليس فقط الحد من مشروع الهيمنة، وإنما انهيار للاقتصاد الإيراني. إيران لا تتردد عن حرق وتدمير الصناعة والزراعة في العراق واستنزاف الموارد الطبيعية والمالية من أجل الحفاظ على تبادل تجاري من طرف واحد: إيران تنتج والعراق يستهلك منتجاتها الرخيصة والفاقدة للصلاحية.
إذن سياسة الأرض المحروقة لإيران ستستمر طالما تهيمن ليس فقط على الفضاء الاقتصادي العراقي، وإنما السياسي، الإطار الميليشياوي، والايديولوجي، التشيع الفارسي بدعم مرجعية السيستاني، والعسكري الأمني، الحشد والفصائل.
تطور ونمو واستقلال العراق يشترط تحطيم هذه البنية الإيرانية، المدعومة أمريكيا والمتسامح معها خليجيا.
"إن خسارة الاستقلال تجر على أمة من الأمم استحالة التدخل في سير الزمن وتقرير أحداثه بحسب مشيئتها. طالما لم تخرج من هذه الوضعية فلن تكون هي التي ستتصرف بزمنها ولا بذاتها، بل ستكون الدولة الأجنبية السيدة على مصائرها، لن يكون لها اعتبار من تلك اللحظة" (فيشته).