الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات خيم مهترئة.. قصور وأبنية.. ووطن لا يملك فيه الفقير سوى الأدعية

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)

مازالت المعاناة الكبيرة التي يعيشها النازحون مستمرة في السليمانية خاصة وفي إقليم كردستان عامة، ومع موجات البرد والثلج الذي يهل عليهم كل سنة بالإضافة إلى مشكلة التعليم وما يتعرض له التلاميذ والطلبة النازحون، ومنها عدم وجود مقاعد دراسية كافية وانعدام الوسائل التعليمية وعدم توفر مستلزمات التعليم وشحة الكوادر التدريسية، عقبات كثيرة مستمرة أما تعلم أطفال النازحين منذ بداية نزوحهم وإلى يومنا هذا؛ كلها تشير إلى استهداف هذا الجيل بشكل ممنهج ومتعمد، فلا يوجد تفسير لعدم وجود صفوف مدرسية تسع الطلاب وتكدسهم في الصف الواحد بحيث أن عدد الطلاب في الفصل الواحد يتجاوز الأربعين طالبا في ظل انعدام وسائل التدفئة في ظل البرد القارص، وفوق هذا كله فإن الأبنية التي تسمى مدارس غير ملائمة للدراسة فيها ومع ذلك فإنها تكاد تغص بالطلاب.

ومع كل ذلك فإن الطلاب يحرصون على الاستمرار في التعلم ومحو الظلام، لكن هناك حديث حول عمل وزارة التربية على غلق الممثليات في إقليم كردستان، وهو ما سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة ضد النازحين وأطفالهم.

وصعوبة إعادة جميع النازحين إلى مناطقهم مستمرة، إذ أن منازلهم ومناطقهم وأراضيهم وأعمالهم سلبت واغتصبت بدعم حكومي، وهو ما يشير إلى استمرار معاناتهم ومأساتهم، فمرحلة ما بعد إعلان ما يسمى "التحرير" سيئة على النازحين لأن الحكومة تعمل على إغلاق المخيمات بدون توفير إجراءات عودة النازحين الآمنة إلى مناطق سكناهم؛ بسبب سيطرة فصائل مسلحة على مناطقهم، ورفضهم الانسحاب منها تحت ذرائع مختلفة، بالإضافة إلى أمور أخرى متنوعة تعرقل عودة العوائل إلى أرضهم ومنازلهم، ومن أبرزها التهديد بالقتل، وبالمقابل فإن الحكومة لا توفر احتياجات النازحين في المخيمات بل تتغافل عمن يسرق المخصصات المالية والمساعدات الإنسانية المتعلقة بالنازحين.

ولذلك فإن مشكلة النازحين أصبحت مركبة ولا تكمن في إغلاق المخيمات فقط كما يحاول المسؤولون تصويرها! بل العقبات تأتي بعد الإغلاق وتتعلق بالناحية الاجتماعية والاقتصادية والمالية والخدمات والتأهيل، علاوة على الناحية الأمنية وعمليات التغيير الديموغرافي والابتزاز السياسي وملف التعويضات، فإذا كانت الحكومة جادة في إيجاد حل فعليها أن تقدم شيئا في حل تلك العوائق؛ ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن بداية لحل أزمة النزوح التي طالت بدون مبرر سوى الاستهداف الممنهج للنازحين.

ومن يتصور أن أزمة النازحين مرهونة بغلق مخيمات هنا أو هناك فهو واهم، لأن أزمة النزوح هي أزمة كبيرة وعميقة، والحل الجذري لها يتطلب خطوات ومهام كثيرة واقعية وعملية وتعويضية على الأرض فيها الكثير من الالتزامات الحكومية الواجب تطبيقها، فالأمر ليس كما يفهم الآن بعض الغافلين بأن غلق مخيم أو مدرسة سيكون نهاية الأزمة، لأن الواقع يؤكد أن هذا الإغلاق هو بداية لأزمات أخرى متعددة ومتداخلة "أخلاقية، اجتماعية، مالية، اقتصادية، أمنية، سياسية".

قبل فترة وجيزة التقيت بشخصية تعمل في وزارة التربية ذكر أن الوزارة ستغلق مدارس النازحين... وأكمل حديثه بسخرية قائلا إن جميع النازحين سيعودون لمحافظاتهم لأنهم في الإقليم مستمتعون وكأنهم في رحلة استجمام وسياحة! وأنا أقول لهذا المسؤول (الذي يده في الماء ولذلك هو لا يشعر بألم من هم في النار) أنتم من تأتون للإقليم للسياحة والاستجمام وتنزلون في أرقى الفنادق والمنتجعات؛ والنازحون أغلبهم يقطنون المخيمات المصنوعة من قطع قماش لا تقيهم برد الشتاء وحر الصيف ولكنها أصبحت بيتهم ومأواهم رغما عنهم.

النازحون يعانون معاناة كبيرة وليس كما يتخيل البعض من أصحاب النفوس المريضة، من يعيش في الإقليم مرتاح هم ليسوا ممن أجبر على ترك بيته وأملاكه ليعيش في المخيمات، أما من تكلم عنهم المسؤول فهم في الحقيقة الفاسدون ممن سرق ثروات العراق من المسؤولين وهو منهم؛ أما النازح البسيط العامل بأجر يومي لو توفرت له سبل العيش البسيط من أمان ومأكل ومشرب فلن يتردد لحظة في الرجوع لدياره، فالنازح لا يستطيب الحياة داخل مخيّمات النزوح، فمأساتهم متكررة في فصل الشتاء من كل عام بدءا من انخفاض درجات الحرارة وإغراق المخيمات بمياه الأمطار والأوحال وبسبب السكن في خيام مهترئة تنتشر الأمراض فيها، ناهيكم عن محاولات الحصول على الدفئ بوسائل بدائية قد تُعرض حياتهم وصحتهم للخطر، يعيش النازحون في خيامهم ذكريات مؤلمة، ما بين فقدان الولد والمعيل أو القريب وانتشار الأمراض والأوبئة واحتراق الخيم بالعوائل التي تسكنها بسبب استخدام الوسائد البدائية للتدفئة، وما بين الحنين إلى الأرض والجار والمنطقة التي ترعرع فيها، وما بين الظلم والاضطهاد الذي وقع عليهم والصمت المخيف للمسؤولين والحكومات التي تعاقبت على ظلمهم واستهدافهم واستهداف أطفالهم حتى أصبحوا يشعرون أن الحكومات تتعمد قتلهم بشكل بطيء.

وما يزيد الأمور سوءا هو توقف المساعدات الدولية والأهلية إذ لا يستطيع معظم سكان المخيمات توفير متطلباتهم الأساسية؛ حتى أصبح النازحون حيارى يتساءلون: هل تعاهد الجميع على قتلنا أحياء لأننا نازحون عراقيون!.

مقالات متعلقة