خداع المجتمع النيابي للمجتمع الانتخابي
النواب: " عصفور كفل زرزور واثنينهم طيارة"
بقلم| أ.د. عبد السلام سبع الطائي
تساؤلات انتخابية للتأمل والحوار
هل هي انتخابات حقوقية ام بيعة وتكليف شرعي!!
ما سر تناشز المجتمع الانتخابي مع المجتمع النيابي وتحول الشعب الحائر الي شعب ثائر؟
ولم أصبح المجتمع البرلماني، مجتمعا” نهابا وهابا” لغير العراقيين؟
وهل استلاب مجالس المحافظات السنية: نينوى والأنبار لتامين الطريق إلى سوريا ولبنان؟
أم ولغرض الانفتاح الجغرافي نحو حدود إيران عبر ديالى وصلاح الدين؟
منذ أن تزعم العراق مدرسة السياسة المذهبية العصابية بعد الغزو الأميركي، فأن كل ما حاولته أميركا بعد الغزو هو بناء عراق جديد بأحجار مذهبية قديمة، تجيد إيران هندستها أكثر من واشنطن، بموجبها اضطرت واشنطن تسليم العراق لإيران، من المعروف في كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية، إنها ترفض إجراء انتخابات تحت أسنة الحراب لأنها لن تكون شفافة. وبهذا الخصوص (كوندليزا رايس) وزير خارجية أمريكا عام 2007 دعت الرئيس اللبناني عدم إجراء انتخابات مرتبطة بالماضي السوري). في حين يغض النظر عن إجرائها في العراق، رغم أنه مازال مرتبطا بالماضي الأسود للاحتلال الأمريكي والإيراني!
ولا بد من الإشارة هنا، لأجل أن تكون الانتخابات شفافة وجب أن تجرى بدون نظارات شمسية، أي بلا – تقية – سياسية حتى لا يكون باطنها غير ظاهرها لتمرير الحيل الانتخابية على الشعب. وبهذا الصدد، يفيدنا الواقع لوقائع الأحداث في العراق بأن معضلة الديمقراطية في العراق، تكمن بالحيل الانتخابية المعلبة والمغلفة بـ (الديموقراطية) من قبل المجتمع البرلماني والحكومي. وأنه لحري بنا التطرق بهذا الإطار إلى عمليات الخداع والتدليس الانتخابي للمجتمع البرلماني، وذلك من خلال تشكيل عشرات الأحزاب تعود ملكيتها ايديولوجيا إلى نفس الأحزاب الحاكمة التي رفضها أكثر من 80% من المجتمع الانتخابي للشعب العراق في انتخابات عام 2018-والتي تمخض عنها انطلاق الحراك الثوري التشريني 2019 واسقاط حكومة عادل عبد المهدي.
ولا يفوتنا أن ننوه، إلى أنه بالرغم عمليات المكر والتدليس والبهتان فأن الانتخابات من الناحية الإجرائية سيجريها المجتمع النيابي العاجز والفاشل، وفق ما نطلق عليه، بنظرية الإحاطة في القيادة من أجل إيجاد نهاية دالة لفوز الفاشلين. ولتقريب نظرية الإحاطة أكثر إلى ذهن القارئ، فهي تسمى بالعرف العسكري-قواعد التحوط والأمان لتجنيب الجندي مخاطر الهزيمة أو الموت.
إن الغاية من استخدام عمليات الإحاطة، هي أن يحمي المرشح نفسه من مخاطر الفشل، ولكي يصبح المجتمع الانتخابي يدور في فلك الحيل البرلمانية وقانون مفوضية الانتخابات، فلا سبيل أمامه إلا باختيار هذا المرشح أو ذاك!. وهنا لا يفوتنا أن ننوه، أن من بين الحيل الانتخابية المستخدمة من قبل المجتمع النيابي للكتل السياسة، تشكيل أحزاب بأسماء أخرى لتمويه وتضليل الناخب، وهي أحزاب فضائية كاريكاتورية تصب لصالح نفس الحزب السابق، من أجل جعل الناخب يدور في حلقة مغلقة، على غرار المثل الاحتيالي القائل:، تريد غزال أخذ أرنب تريد أرنب اخذ أرنب. إن هكذا نمط احتيالي من الانتخابات لا يقوم على الاختيار الديمقراطي الشرعي بل على إجبار الناخب لاختيار المرشح السيء الصيت بطرق ملتوية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا اعتمد المجتمع النيابي للأحزاب إجراء الانتخابات وفق نظرية الإحاطة، لأن تركيبة الأحزاب والدولة منذ 2003، يمكن وصفها: بأنها دولة ولدت من أم إيرانية عجوز عاجزة، ومن قابلة أمريكية غير مأذونة، فالمولود الجديد (الدولة وبرلمانها) لا يربطهم أي شيء بالشعب والوطن سوى تربية الأم الإيرانية العجوز للوليد الجديد بالشكل الذي يجعله خادمًا وذيلًا ذليلًا. وهو ما أدى إلى تناشز الشعب مع النظام السياسي. لذلك أصبحت وعود النائب للناخب كوعد عرقوب، أو كما نقول بالمثل العراقي، "عصفور كفل زرزور واثنينهم طيارة".
ولا مناص من القول، بأنه يخطأ من يتصور أن الانتخابات هي بداية ونهاية العملية الديمقراطية، لأن الديموقراطية تؤسس قواعدها ومبانيها من دستور الدولة إلى قانون الانتخابات فالمفوضية وثم القضاء العادل. ولعل هذا الأمر، يدعوني بأن أقوم بتصنيف الحيل الانتخابية للمجتمع البرلماني، كما يلي:
أولا: الحيل السياسية
يتزعم هذه المنظومة من الحيل، الإطار التنسيقي، من خلال محاولاته الزحف إلى المحافظات السنية بتوجيه ورعاية من الحرس الثوري الإيراني. علما بأن هذا الزحف سيكون تحت مضلة الاشتراك في انتخابات مجالس المحافظات المقرر في 18| 12| 2023. الغاية من هذه المناورة السيطرة على القرار في المحافظات السنية وإضعاف الأحزاب الأخرى الغير متحالفة مع الأحزاب الشيعية. علمًا بأن المحافظات السنية المستهدفة، هي:
محافظة نينوى
محافظة الأنبار
محافظة ديالى
محافظة صلاح الدين
ومن اللافت للنظر، تبين أن جميع هذه الأحزاب مسجلة باسماء مستعارة لصاحبها، فلان وعلان، من الولائيين لإيران. ولا بد من الإشارة، بأن الهدف من اقتحام المحافظات السنية، هو الهيمنة على محافظة نينوى والأنبار لتامين الطريق وعمل خطوط تماس إقليمية، للتوغل إلى سوريا ولبنان من جانب، ولغرض الانفتاح الجغرافي نحو الحدود الإيرانية عبر محافظة ديالى وصلاح الدين، ومن أجل إيجاد طريقين إلى سوريا، الأول، من داخل مدينة ربيعة في محافظة نينوى والثاني من خلال مدينة القائم في محافظة الأنبار. ناهيكم عن البعد الثالث، المتجسد باختراق المحافظات السنية، ألا وهو تشكيل الإقليم السني، وفقا لمقاسات الحرس الثوري الإيراني والأحزاب الشيعية الولائية له.
ثانيا: الحيل الدستورية:
لقد سن المحاصصون الحصريون، دستور الأقلية والأغلبية، ببدعة أو فتنة المحاصصة، ليجعلوا من أنفسهم، وكأنهم “أصحاب الامتياز الحصري في العراق، كي يصبحوا هم من يقرر مصير العباد والبلاد، كما لو إنها مما ملكت أيمانهم، يعطون منها لمن يشاؤون، ويقصون كل من لا يتماشى أو يتمشّى مع نزواتهم “.
ثالثا: حيل المحاكم القضائية:
كما هو معروف بكل دول العالم، الديمقراطية تسيرها القوانين لا الفتاوى، في حين نجد أن القضاء العراقي تتحكم فيه الميليشيات، والأخيرة تسيرها الفتاوى، آخذين بالاعتبار أن الفتوى تمتلك قوة إلزام أكثر من قوة القانون، لأن الفتوى تصنف كـ ”قرار خاص” والخاص يقيد العام ،من الناحية القانونية. مثال، أياد علاوي لما فاز وفشل المالكي، القضاء حكم لصالح المالكي، وهكذا أصبح الخاسر رابحًا والفائز خاسرًا، بحيل قضائية!.
رابعا: حيل مفوضية الانتخابات:
وتتجسد معالمها الأولى، بإشكالية قانون تعديل المفوضية رقم (31) لسنة 2019 واحتمالية إبطال انتخابات مجالس المحافظات المقبلة. على الصعيد الإجرائي، فقد قام مجلس النواب في جلسته (الاستثنائية) المنعقدة في 22 -11-2023 بالتصويت على مقترح قانون تعديل قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2009. ولا بد من الإشارة بهذا الصدد، بأن مجلس النواب لم يلتزم بقرار المحكمة الاتحادية رقم (9) لسنة 2009 بعقد جلسة استثنائية لانتخاب رئيسا جديدا للمجلس، بعد إقالة الحلبوسي، بل تمت القراءة الأولى والثانية لمقترح قانون تعديل المفوضية رقم (31) لسنة 2019 قبل تعين الرئيس الجديد. وبالتالي فأن أي "طعن بهذا التعديل لدى المحكمة الاتحادية وقبوله قد يؤدي إلى أبطال هذه الانتخابات حكما" من جهة، أما بشأن الحيل ذات العلاقة بمبادئ ونظام تشكيل مراقبي الانتخابات الدوليين رقم (1) لسنة / 2020، فعلى صعيد فرق المراقبة الدولية، يتم اختيارها من قبل المفوضية، علاوة على أن المادة (3) من القسم الثاني للنظام توجب موافقة الجهات الأمنية والسياسية على تسجيل واعتماد المراقبين الدوليين من جهة، ومن جهة أخرى، فأن شروط والتزامات المراقبين الدوليين وفقا للمادة (9): تؤكد بأن للمفوضية حق سحب أو تسجيل اعتماد فريق مراقبي الانتخابات، وهذا يعني أن من سيعترض من المراقبين الدوليين على التزوير سيتم سحب الفريق بحجة خرقه لقواعد السلوك وإخلاله بالالتزامات، ووفقا لهذه الضوابط فأن المفوضية أصبحت هي من تشرف على فريق المراقبين الدوليين وليس العكس، وهو خلل انتخابي قانوني واضح البيان!
خامسا الحيل المذهبية:
وتتمثل بإصدار الفتاوى التسطيحية، كانت من قبل المجمع الفقهي (السني) أو المرجعية الشيعية، كفتوى المجرب لا يجرب 2018، تلتها فتوى أو توجيه صدر عام 2021 من نفس المرجعية، تدعو لانتخاب المجرب، رغم أن معظم المجربين رشاه زناة ومرتشين!. وهكذا يتبين، بأن الانتخابات، هي تكليف شرعي لانتخاب هذا الفاسد أو ذاك المجرم!
والأدهى من ذلك، أن المجربين من قادة الأحزاب ورؤساء وزراء اعترفوا أنفسهم بفشلهم، على الفضائيات. أما عن مسوغات جعل المجتمع البرلماني “نهابًا وهابًا” على حساب المجتمع الانتخابي المغلوب على أمره، فهو يعود إلى {نظرية المالك المجهول لأموال الدولة} التي تبيح نهب المال العام واستخدامه من قبل المجتمع النيابي حيثما يشاء، نظرا لكونه مشرعن في الفقه الخميني والسيستاني، الذي ينص: بـ ”أن الدَّولة، في عصر الغيبة، كلّ ما تملكه يُعد أمرا مغتصباً، وكل من يستولى عليه من قبل الآخرين لا يُعد فساداً،. وبهذا الصدد، أجازت نظرية المباني الفقهية، حق تخويل فقيه الحزب السياسي أو الميليشيات المسلحة، تفويضًا شرعيًا مفتوحًا للتصرف بأموال الدولة كما يشاؤون.
نافلة القول، نستقرئ وبجلاء، أن الانتخابات “مشرعنة” بإلزام فقهي، فهي تكليف شرعي، معززة بالفتاوى، وكأنها أو أنها “بيعة” بالانتخابات لكنها، لا هي بيعة شرعية ولا ديمقراطية حقوقية، ومن لم يلتزم بها فأن الميليشيات الولائية لإيران لهم بالمرصاد، قتلًا وتقطيعًا، وفقًا لما يشتهيه السيد المشرع.
مسك الختام
انتخابات تجرى تحت سلاح ميليشيات المحتل ذات الماضي الأسود، ما هيه إلا انتخابات (دمقراطية) لانتخاب عناصر ميلشياتيه بغية الوصول بها إلى قبة البرلمان كحزب الله الإرهابي والـ PKK التي توعدت أهالي سنجار بانتخابهم وإلا سيكون مصيرهم كمصير أهالي جرف الصخر.
وانطلاقًا مما سلف، فأن في العراق ظاهرة انتخابية، شاذة عالميًا ونموذج انتخابي فريد، باتت تسيطر وتتحكم فيه الأقلية السياسية بالأكثرية، وسينتخب فيه لا محال نظامًا سياسيًا، لا يمتلك عنصر تعايش داخلي مع شعبه ولا توازن خارجي مع المجتمع الإقليمي والدولي، محصلة ذلك مزيدًا من التناشز والازدواجية ما بين المجتمع الانتخابي والمجتمع البرلماني النيابي والسياسي للدولة. هذا التناشز ولد جيلًا استمد من يأسه بأسه الشديد، تجسد بالحراك الوطني الثوري التشريني، الذي حول شعب العراق الحائر إلى شعب ثائر، فقلب موازين القوى التي كانت تعتقد بأن التغير لا يمر إلا عن طريق (العميلة) السياسة وأمريكا وإيران، لكننا أصبحنا اليوم بفضل التشارنة نردد: أن التغيير لا يمر إلا عبر ثوار تشرين البواسل. وهكذا سيرسم لنا هذا الجيل الذي ولد من معاناة الاحتلال، استراتيجية الخروج من العملية السياسية المنتهية الصلاحية. وما النصر إلا صبر ساعة، طالما دولة الباطل ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة.