بقلم| د. صباح الناصري
(أستاذ الاقتصاد السياسي)
الصدمة التي شلت ماكنة الاحتلال الإسرائيلي في يوم ٧ تشرين ٢٠٢٣، السنوية الخمسين لصدمة أكتوبر ١٩٧٣، هي ليست فقط الفضيحة بأن النمر العسكري الاستخباراتي التكنولوجي الإسرائيلي لم يكن سوى صورة ورقية، هي ليست بسبب عدد الضحايا المستوطنين الأكبر في تأريخ الكيان الإسرائيلي، وليست بسبب اختطاف أكبر عدد من الرهائن الإسرائيليين، بما فيهم من مراتب عسكرية عليا، في تأريخ الكيان.
السبب الحقيقي هو نفسي سياسي. دعونا نلخص أولا، قبل تسليط الضوء على عالم الخوف المظلم، اهتزاز عناصر رعب الصدمة.
هناك ثلاثة عناصر تلصق نواة الجسد السياسي الاستيطاني المتشضية:
أولا: الأمان المطلق؛ ثانياً، الرفاهية دون أي شرط مسبق؛ ثالثًا، التجربة السادية للإخضاع والاستعباد اللامحدود لمخلوقات أخرى مُحطَّمة
العنصر الأول: لكي توحي بالأمان المطلق لليهود في إسرائيل، مارست الدولة العبرية سياسات زرع الخوف في قلوب اليهود من انعدام الأمن لليهود في الدول الأخرى من خلال خلق مناخ منظم من الاستهداف الفكري والسياسي للحفاظ على شبح العنصرية والعداء ضد السامية على قيد الحياة. العنصر المهم في هذا المناخ هو الاستثمار الممنهج في تسقيط وتجريم الخطابات النقدية لسياسات إسرائيل وتصوريها على أنها خطابات عداء ضد السامية. حكومات نتنياهو المتتالية هدفت وتهدف من خلال التعاون مع حركات يمينة متطرفة في أوروبا وأمريكا في الحفاظ على هذه البيئة السامة إلى تحريض اليهود هناك على الهجرة إلى إسرائيل.
العنصر الثاني: استقطبت الدولة الإسرائيلية هجرة المستوطنين من خلال وعدهم بالحصول على ملكية خاصة للأرض والدعم المالي والسياسي دون أي مساهمات مسبقة، عمل أو ضرائب الخ، باستثناء كون المستوطن يهودياً. هذا الوعد جذب الأشخاص الفاقدين للملكية الخاصة في بلدانهم، من يعانون اقتصاديًا، ومن على استعداد للعيش في مستوطنات بجوار الحدود الفلسطينية وعلى استعداد أن يخاطر بإمكانية الاستهداف من قبل المقاومة الفلسطينية. الاستيطان هنا ليس مدنيا، إنما بمعنى الحالة العسكرية، ومفهوم الحدود أمني عسكري وليس الحدود بالمعنى الدستوري، ولهذا السبب تحديدًا، الجغرافية السياسية للنظام مفتوحة بكل الاتجاهات، لا يوجد دستور.
العنصر الثالث، التأريخي الأيديولوجي، هو ما يميز المجتمع الاستعماري الاستيطاني فعليًا: العيش في ظل وضع عنصري وفوقي للمستوطن يغذي إحساسًا بالهيمنة بلا حدود على مواطنين من الدرجة الثانية وذوات مستعمرة ومجردة من إنسانيتها خاضعة للسيطرة وللقمع المطلق. تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت، "نحن نحارب حيوانات بشرية"، يفضح الذهنية العنصرية للكائن الصهيوني.
الصدمة الحقيقية
تبين أن سياسة الأمن المطلق لدولة إسرائيل من خلال بناء الجدار الحدودي الفولاذي، وسمعة الجيش المتفوق، والاستخبارات المميزة والمراقبة والتحكم التقني مجرد أسطورة هيمنت على عقلية الإسرائيلي وعلى عقلية الفاعل الإقليمي والدولي، أسطورة ضخمت من القدرات الفعلية للكيان وغرست شعور الانهزامي في قلوب الخصوم والأعداء.
لقد ذهب الشعور بالأمان المطلق إلى الأبد. إن إمكانية الوصول إلى الأراضي المغتصبة، المستوطنات، والرعاية الاجتماعية والدعم السياسي والعسكري لمجتمعات المستوطنين العسكرية اهتزت بسبب الاختراق الأمني الصادم إلى درجة أن المستوطن يرفض العودة أو الاستقرار مرة أخرى في مثل هذه البيئة المهددة.
وأخيرًا، فقدت الأيديولوجية العنصرية قبضتها على ذهنية المستوطنين في مجتمع تقني منفتح باستمرار يعيش خارج الثكنات العسكرية المغلقة التي ميزت مجتمعات الحرب الباردة. حتى وهم الفكرة الدينية عن "أرض الميعاد" و الإسقاطات الدينية المتخيلة على قدسية أرض فلسطين عند اليهود ما عادت كافية لتكافئ الخلل الأيديولوجي المدمر لجذب مستوطنين جدد إلى إسرائيل.
وهذا يعني أن محصلة الهجرة إلى خارج البلاد مقابل الهجرة إليها ستكون سالبة في المستقبل، وهو كابوس ديموغرافي حقيقي. حدث ذلك بدرجة أقل في ١٩٨٩/٩٠. حينها، خصوصا بعد الانتفاضة الأولى في ١٩٨٧، فاق عدد المهاجرين من إسرائيل إلى أوروبا و أمريكا و كندا عدد المهاجرين إلى إسرائيل. استفادت إسرائيل حينها من انهيار الاتحاد السوفيتي وفتحت البلاد أمام هجرة جماعية للحفاظ على الفجوة الديمغرافية، مع العلم أن الغالبية المطلقة من المهاجرين الجدد ليسوا يهودا... لا يهم طالما أنهم من البيض وليسوا عرباً!
بعد كل شيء، التأريخ ليس فقط حقل تجارب
"نادرًا ما يوفر التاريخ الفرصة لإجراء التجارب"، قال المناهض للصهيونية إيلي لوبيل ذات مرة عن المشروع الصهيوني لتشييد الكيان. ويمكن للمرء أن يضيف أن حجر الأساس المهتز، أي التجربة، يبدو وكأنها تقترب من نهاية تأريخها. للتو دقت عقارب ساعة انهيار المشروع الصهيوني إيذانا بنهاية تأريخه!