بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)
زيارة الكاظمي للموصل هل كان الجدوى منها فقط وضع حجر أساس مطار الموصل، وقص شريط افتتاح شارع واحد، وحل أزمة البنزين ليوم واحد فقط؛ هذه هي منجزات الزيارة التي كان يترقبها أبناء المدينة المنكوبة وكلهم أمل أن يتغير وضعهم السيء ولو بعض الشيء
الكاظمي زار الموصل قبل سنة وجدد الزيارة في أول أيام عيد الأضحى المبارك، لم ترى الموصل فرق بين الزيارتين بالنسبة للوعود التي أطلقها خلال زيارته في ظل عدم وجود أي شيء ملموس على أرض الواقع فيما يخص مساكن المواطنين الذين يعانون من تكدس المخلفات الحربية وركام المباني وما تحته من الغام..
هناك حوالي 52 ألف وحدة سكنية تم تدميرها بشكل كامل في الموصل، فضلا عن الجسور والمستشفيات؛ 30%من أهالي نينوى ما زالوا نازحين وخاصة أهالي سهل نينوى بسبب هدم منازلهم واستحواذ الميليشيات على أراضيهم وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في تلك المناطق
وتقدر تقارير لمجلس النواب الحالي حجم الدمار الذي طال البنى التحتية في محافظة نينوى بنحو 90%، حيث لا تزال مئات المعامل والمنشآت مدمرة، ويبدو أنها خارج خطة الإعمار. وهناك جهات سياسية تحاول عرقلة تنفيذ مشاريع الإعمار في المحافظة.
في زيارة الكاظمي الأخيرة للموصل وعند اجتماعه بنواب ومسؤولي المحافظة حصلت مشادة كلامية بين النائب "وعد القدو" القيادي السابق في الحشد وبين المحافظ "نجم الجبوري"؛ بسبب اتهام المحافظ للقدو أنه منع أهالي نينوى من إعمار أراضيهم في سهل نينوى رغم ما يملكون من سندات أصولية تثبت ملكيتهم؛ وطلب الكاظمي من المحافظ التخفيف من حدة الكلام للتغطية على الجرائم التي ترتكبها الميليشيات بحق الأهالي.
زيارة الكاظمي للموصل لم يكن لها واقع ملموس بل صورة دعائية إعلامية غير مدروسة يضيفها إلى إنجازاته المتخاذلة، لم يكن سقوط الموصل بنظر عموم الشعب إلا مؤامرة كبرى؛ وبالرغم من سيطرة القوات الحكومية وميليشياتها المحافظة منذ 5 سنوات لكنها مازالت تعاني الإهمال المتعمد. والفساد والابتزاز وأزمة المشاريع المتلكئة وضعف العمليات الاستخباراتية، وضياع أموال النازحين والإعمار.
إن ملف إدارة محافظة نينوى ما يزال مرتبكًا بسبب وجود عشرات الفصائل والميليشيات المسلحة مثل الحشد الشعبي، وفصائل تابعة لسياسيين لها نفوذ واسع وسطوة كبيرة تبحث عن مقاولات وعقود في ملف الإعمار، حتى أصبحت هذه الجماعات المسلحة لها النصيب الأكبر في النشاطات الاقتصادية والتجارية، وهو ما انعكس سلبًا على المدينة.
ورغم انتشار عدة ألوية ووحدات عسكرية وأمنية حكومية في مدينة الموصل وضواحيها شماليّ البلاد، إلا أن وجود الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، ما زال في توسع مستمر بشكل يصفه مسؤولون محليون في الموصل بأنه "ينهك المدينة أمنيًا واجتماعيًا".
حتى أصبحت الموصل ثاني أكبر مدن العراق بعد بغداد من حيث عدد سكانها تحت سطوة وإدارة أكثر من 10 مجاميع مسلحة بواجهات متعددة، منها ما يعرف بالمكاتب الاقتصادية، ولجان "المتابعات الأمنية"، المتورطة بعمليات اعتقال مواطنين وابتزاز رجال أعمال وتجار وأصحاب المتاجر الكبيرة، فضلاً عن ممارسة أنشطة تجارية غير قانونية من خلالها.
ومن المؤكد أنه سيكون هناك انعكاسات سلبية أيضًا على مساعي إعادة كل النازحين، فاستمرار تدفق الميليشيات واتخاذ مقرات لها داخل الأحياء السكنية أمر في غاية الخطورة على استقرار المدينة التي تحولت إلى نقطة جذب للميليشيات؛ وهنا نتساءل عن جدوى وجود قوات الحكومية والشرطة المحلية والاتحادية وجهازي المخابرات والأمن الوطني ووحدات التدخل السريع وغيرها من القوات مع كل هذا العدد من أفراد الميليشيات في المدينة.
بداية السيطرة على المدينة قال الأمريكان في أكثر من مرة، أنهم ضد تدخل الميليشيات في حرب الموصل وضد دخول الميليشيات للمدينة، لكن تلك الدعوات الأمريكية كانت في حقيقتها مجرد هواء في شبك، لأننا رأينا كيف أن الميليشيات دخلت لهذه المدينة، بدعم وإسناد أمريكي، وهي الآن تسيطر على الموصل، وتفعل ما يحلو لها، ولها الكلمة الأولى والأخيرة فيما يخص شأنها، ومع ذلك كله، لم نر تحركًا أمريكيًا ولو في أقل مستوى له، لرفع الحرج عنهم.
وماذا نتحرى من محتل فداعش هم من أدخلوها وهم من أخرجوها فقط لتنفيذ خطتهم بتدمير هذه المدينة التاريخية العريقة.
الكاظمي ومنذ استلامه دفة الوزارة ذرف الوعود الكاذبة لهذه المدينة وأهلها وحتى وعوده لكافة العراقيين فالرجل لم يتحرك لمواجهة تلك الأزمات التي عصفت بالبلاد والعباد بل ساهم بتعميق الانسداد السياسي بين الأطراف المتصارعة على السلطة بعد نتائج الانتخابات من خلال أداء دور "المتملق" لهذه الكتلة وتلك الجماعة بهدف الحفاظ على امتيازاته وليس لصيانة مفهوم الدولة.
لا أعرف كيف لحكومة سجلت الرقم القياسي في عدد الإخفاقات والفشل والتعهدات الكاذبة أن تستمر بالعمل من دون شعور بالمسؤولية أو حتى الخجل أمام عباد الله من الفقراء، في وقت تعيش بلادنا أسوء فتراتها بسبب تصرفات رئيسها المبخوت مصطفى الكاظمي حتى وصلت درجة لا يمكن تحملها حتى أصبح التصحر في ولايته لا يمر يوم إلا والعواصف الترابية تداهم العراقيين ليضيف اختناقًا آخر يزيد معاناتنا المستمرة منذ عقدين من الزمن تقريبًا.
واليوم ونحن نعيش عصر الديمقراطية الزائفة والأحزاب الكثيرة المتنفذة التي تقاسمت سلطة البرلمان والحكومة ولم تقدم سوى الوعود الكاذبة التي زادت الفقراء فقرًا والتردي بالأوضاع الاقتصادية بشكلٍ مخيف جدًا؛ كونها متمسكة بالسلطة من أجل مصالحها الخاصة أما وعودها فهي لذر الرماد في العيون التي تطلقها قبل الانتخابات لتضليل الناخب البسيط بوعود عرقوبية لاتسمن ولا تغني من جوع.
حتى أصبحت ظاهرة نفاق السياسيين العراقيين اليوم ممارسة نابعة من مرض القلوب، وطقوس فكرة الغيبيات، ومناهج الفتاوى والاجتهادات الباطنية التي خلقت لنا المنافق السياسي الحسود، والحاقد، والمغرور بالدنيا، والوحش الذي لا يشبع من المال والسلطة والجاه، والمتربص بالعلماء ورجال الفكر والثقافة، والكيد لهم، والحقد عليهم. منافق متزلف يلبس ثوب الوطنية أو ثوب التدين كذبًا وبهتانًا وزورًا، تراه يصلي ويحج بيت الله ويسرق مال الشعب، ويكذب بصدق ويتزين به.