الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة التكهنات بين المحاصصة ومزاد بيع الوزارات


جهاد بشيرش

لا يجري من حديث في الأوساط السياسية في العراق؛ إلا في إطار التوقعات والتكهنات التي لا تقوم على حقائق ملموسة بشأن التركيبة المستحدثة لحكومة الاحتلال الثامنة بعد ترقيع سابقتها لتأخذ شكلاً آخر يُراد له أن يكون بمثابة أداة لإسكات موجة مظاهرات واحتجاجات ثورة تشرين.

وفي الوقت الذي يدّعي مرشح أحزاب العملية السياسية الذي يحظى بتأييد أمريكي وإيراني مشترك؛ لإعادة هيكلة الحكومة، بأنه بات قريبًا مما أسماه (تحقيق إنجاز تاريخي) بتشكيل (كابينة وزارية) من دون تدخل أي طرف سياسي؛ يتفشّى على المشهد وبقوة مزاد بيع الوزارات الذي تديره وتحرك مجريات أحداثه الأحزاب السياسية نفسها، وتتبادل فيه الصفقات للموافقة على هذا الوزير أو ذاك؛ أو السماح لكتلها في مجلس النواب بالمصادقة على شخصية معينة أو رفضها، في معترك فوضوي جديد ألفته العملية السياسية وأدرك العراقيون سلفًا حقيقته، وعززت من بيان تفاصيله تصريحات واعترافات تداولتها وسائل الإعلام لسياسيين وممثلي كتل تحدّثوا عن أرقام خيالية للأموال المطروحة لكل حقيبة وزارية بحسب أهميتها والجهة المفترض أن تنالها وفقًا لمنظومة المحاصصة.

“لا يجري من حديث في الأوساط السياسية في العراق؛ إلا في إطار التوقعات والتكهنات التي لا تقوم على حقائق ملموسة”

وحينما تتحدث التقارير عن أن معتصمي ثورة تشرين ينامون في الشوارع ملتحفين برد شتاء العراق القارص، ومتحدّين مخاطر التهديدات التي تطال حياتهم لاسيما بعدما أريقت دماء المئات منهم في القمع الحكومي وهم يواجهون الفساد ويسعون لإزالته والإطاحة بالمتورطين به؛ تشير أمارات تشكيل الحكومة الثامنة أنها قائمة عليه بالكليّة، وألا سبيل لتحقيق مطلب من مطالب المحتجين يمر من خلالها، لاسيما بعدما هدّد قادة ميليشياويون على الملأ بأن على رئيس الحكومة الجديد الانصياع لجملة من القضايا من بينها: عدم المساس بـ(الحشد الشعبي)، وحظر فتح ملفات فساد كبرى تورطت بها شخصيات على صلة بإيران.. فهل يمكن لذي عقل أن يجد عجزًا لدى الراصد والمراقب وهما يتخيلان شكل المشهد العراقي في مرحلته المقبلة التي سيقود الحكومة فيها شخص هو في الأساس أحد أعمدة الفساد في كبرى ملفاته؟!

لا يقتصر الأمر على توصيف مجرد لشكل الحكومة المقبلة، فالتكهنات المتعلقة بالوزارات وتحديد الجهات التي ستُمنح لها؛ مجرد مسلك يلجأ إليه المتبارون لتعميم معلومة حقيقية كانت أو مُتخيّلَة بُغية صناعة رأي في الأوساط الشعبية، أو ممارسة ابتزاز لشريك سياسي؛ بل يتعدى الموضوع برمّته إلى حقيقة أن الحكومات المتعاقبة كلّها لم تُشكَّل بمعزل عن إطار المحاصصة، فهو يفرض نفسه في (مشاورات) الجولة الثامنة ويظهر فيها متسيّدًا، بل وتشير مجريات الأحداث إلى أن القوى الإقليمية والدولية التي توافقت مبدئيًا على شكل الحكومة لا تسمح بالخروج عنه؛ لاعتبارات مصلحية تأسست عليها جلّ مشاريعها.

“الاتجاه في المسار السياسي في العراق أدركه المحتجون جيدًا ومنذ وقت مبكّر”

وعلى الرغم من أنثورة تشرين أعلنت عن أن هذا الإطار هو أحد أسس المشكلة في المنظومة السياسية القائمة في العراق؛ إلا أن مرشح الأحزاب لم يتورّع عن الكذب في التصريح مبكرًا بأنه مدعوم من شباب الثورة!! فكيف به الآن وجميع المعلومات التي يسرّبها المحيطون به تقول إن حكومته مقسمّة طائفيًا على أساس المحاصصة؟؟ إن هذا الاتجاه في المسار السياسي في العراق أدركه المحتجون جيدًا ومنذ وقت مبكّر، فتراهم في تواصل دائم لتوسعة مظاهر احتجاجاتهم وفعالياتها، ولا ينفكون من الحديث عن رفضهم تشكيل الحكومة قبل الإعلان عنها.

مقالات متعلقة