الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة أموال وأرقام.. وشعبٌ زادهُ الظلمُ والظلام ..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

يمر ذكر الفساد المستشري في دوائر ومؤسسات الدولة في العراق يوميا في الأخبار وحديث الناس، فمنذ الاحتلال الأميركي للبلاد 2003 تدعي الحكومات المتعاقبة معالجة الفساد ومنها معالجة مشكلة الطاقة الكهربائية عبر مشاريع تشييد محطات إنتاج جديدة في مناطق مختلفة سنويا، وتعلن بين الحين والآخر إجراءات لحل المشكلة ولكن المواطن العراقي متأكد من كذب المسؤولين وحكوماتهم.

ولكن رغم ذلك يصر المسؤولون في كل سنة بأن المشكلة ستحل نهائيا، وعندما يحل فصل الصيف تتأكد الأكاذيب مما يزيد من غضب الشارع العراقي، ودائما ما تكون أصابع خفية تتحكم بحياة العراقيين مع كل صيف تفوق فيه درجات الحراة ال 50درجة مئوية حتى أصبحت أزمة الكهرباء معضلة العراقيين وأحد أسباب معاناتهم المستمرة والمسؤولية برمتها تقع على الحكومات، التي منذ 20 عاما لم تستطع حل المشكلة على الرغم من إنفاق ما يقرب من 100 مليار دولار على الطاقة الكهربائية، العراق بحسب التقارير الدولية ، ولكن من دون جدوى، بسبب الفساد الذي كان عقبة كبيرة أمام حل هذه. فأصبحت هي أحد القطاعات المستنزفة لميزانية العراق سنوياً، في وقت تقدر الحاجة الفعلية للعراق من الكهرباء بنحو 30 ألف ميغاواط.

بين الحين والآخر تظهر على الإعلام التناحرات والتجاذبات المخزية بين أعضاء في البرلمان وكشف المستور عن صفقات وملفات فساد كبيرة متعلقة بملف الكهرباء، ولكن إلى يومنا هذا لا توجد استراتيجية حقيقية وجادة للإصلاح واجتثاث الفساد، حتى بات هذا السرطان الخبيث يجري في عروق الجميع في بلاد الرافدين، ما يجعل اجتثاثه يعني اجتثاث دولة كاملة، وإعادة بناء شعب كامل بمؤسسات مدنية رشيدة بعيدةٍ عن التأثير الحزبي والمحسوبية العشائرية والطائفية التي غاصت بوحل الفساد وبأساليب مكشوفة ومتنوعة.

من الناحية الاقتصادية، فإن المبالغ المصروفة على الكهرباء ليست وحدها الخسارة الكبيرة التي يتحملها العراق بسبب نقص إنتاج الطاقة، لأنه يخسر سنوياً نحو 40 مليار دولار من حجم الأموال الكبيرة التي يصرفها العراقيون على شراء الطاقة، والخسائر في قطاعات الصناعة والزراعة والمشكلات الصحية التي يسببها الانقطاع المستمر للتيار.

وهناك تقارير تشير إلى وجود 4.5 مليون مولد كهرباء كبير الحجم في العراق تعمل بالديزل.

وبحسب مختصون اقتصاديون العراقيون يصرفون مليار دولار شهريا لشراء الطاقة، باحتساب أن هناك 10 ملايين منزل في العراق يصرف كل منها 100 دولار فقط شهريا"، مشيرا إلى أن هذه أرقام متحفظة وأن المبلغ قد يكون أكبر.

هذا المبلغ يكفي لتوليد ونقل 1000 ميغاواط، أي أن ما يصرف على المولدات في سنتين كاف لحل مشكلة الكهرباء في البلاد حتى لو تغاضينا عن الهدر الحكومي الكبير في أموال المشاريع

فالفساد في قطاع الطاقة متشابك للغاية، لأن نقص تجهيز الطاقة يحقق أرباحا هائلة لمزودي الطاقة المحليين، ويحقق أرباحا كبيرة لإيران، التي يشتري منها العراق الطاقة الكهربائية والغاز بأموال ضخمة.

وواحدة من أكثر الشكوك التي تدار حول ملف الكهرباء حدثت السنة الماضية حين تم استهداف أبراج الطاقة وخطوطها من ميليشيات وجماعية مسلحة مرتبطة بإيران، منها خدمة للمصالح الإيرانية وأخرى لتتكسب من خلال تكرار ما تسمى مشاريع استثمارية.

يعتبر العراق ثاني أكبر دولة تحرق أكبر كميات الغاز في العالم بعد روسيا، فيما يسعى إلى توفير 200 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا يتم توليدها من حقول النفط الرئيسية. وتشعل مصافي النفط العراقية نحو 17 مليار متر مكعب سنويا من الغاز. الفساد الذي تعاقبته الحكومات يمنع العراق من استغلال الكميات الهائلة التي يحرقها من الغاز الطبيعي كل يوم، فيما يشتري الغاز من دول أخرى مثل إيران التي استغلت ذلك لمصالحها الاقتصادية والسياسية .

وإزاء ذلك، سيكون من السهل تحميل الفساد المستشري في البلاد، مسؤولية أزمة الكهرباء في العراق، كما أن المواطن مازال بانتظار إجابة مقنعة عن السبب وراء أزمة الكهرباء، فالأمر يشبه العاصفة الكبيرة إذ أنه لا يتعلق بمشكلة تقنية فحسب بل هناك أسباب سياسية واقتصادية ومؤامرات تحاك من قبل هذه الزمر الفاسدة

مشكلة الكهرباء في العراق لن تحل ما لم تكن نية حقيقة من المتحكمين بالمشهد العراقي وتطوير إنتاج الطاقة المحلي بإنشاء محطات توليد جديدة، واستثمار الغاز العراقي المهدور، ولن تحل ما دامت سياسية استيراد الكهرباء من إيران هو الخيار الوحيد أمام العراقيين الذين أصبحوا كما يقول أبو المثل (كل من لحم ثورك).

ولكن النظام السياسي في العراق لا يعي ما هي واجباته تجاه شعبه وإنما هو نظام يحقق مشاريع دول الاحتلال أمريكا وإيران، فانعدام الأمن وسلب الحياة الكريمة من المواطن، وتدمير البنى التحتية للبلاد كلها دلائل واضحة على عدم وجود دولة ذات سيادة واستقلال في العراق، لأن أول عمل للدولة هو أمن شعبها واستقراره، وحين تفقد الدولة السيطرة على الأمن وتحقيق السلام والاستقرار لشعبها، والسيطرة المطلقة على أذرعها الأمنية والعسكرية، فهذا يعني أنها ساقطة في الهاوية ، ولن تستطيع أن تقدم شيئا يذكر لأنها فاقدة لقدرتها على توفير الحاجات المعيشية لشعبها، وتطوير بناه التحتية.

ولكن لا ينقطع الأمل فالشعب يؤمن بأنه سياتي يوم وتندحر ثعابين الفساد التي قادت العراق إلى الهاوية، ولابد أن يأتي يوم يخرج هذا البلد من حالة العبث والفوضى السياسية التي يعاني منها منذ أكثر 20 عاما.

مقالات متعلقة