بقلم| ثائرة أكرم العكيدي
(كاتبة وباحثة عراقية)
الصمت المريب الذي يخيم على الحكام العرب في وجه الظلم الذي يتعرض له أبناء غزة، يعد خيانة للقضية الفلسطينية ولشرف الأمة العربية، بل إنهم عاجزون عن الوقوف بجانب إخوانهم الذين يعانون تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، وبدلاً من ذلك يختارون الصمت المريب والانعتاق من المسؤولية، وتجاهلهم للمأساة التي يعيشها أبناء غزة ورفضهم لدعمهم ومساندتهم في مواجهة العدوان الصهيوني يؤكد أنهم يشاركون في الجريمة ويقفون كشهود صامتين على الجرائم الإسرائيلية ويدعمون بصمتهم استمرار ارتكاب الجرائم والإبادة التي يتعرض لها أبناء غزة.
مبدأ كونوا للمظلوم عونا وللظالم خصما أصبح معكوسا لدى الحكام العرب في عصرنا هذا الملقب بزمن ثورات الربيع العربي فإذا حكام الظلم والجور ينعمون بالتأييد لجرائمهم وهم بنظر عميان القلوب من عبيد الدولار مظلومون منتهكو الحرمات مدافعون عن المقدسات بينما ضحاياهم ظلمة معتدون مستحثون ما هم فيه من انتهاكات واقعة عليهم في أشكال مختلفة من العدوان العسكري المتناهي في إجرامه والحصار الاقتصادي الخانق والتشويه الإعلامي المتواصل
عندما تصل طائرة أميركية تحمل شحنة من المركبات المدرعة لجيش الاحتـلال. وفخامة الحكام العرب وجلالة الملوك لا يقدرون أن يدخلوا عبوة ماء لفلسطيني؛ عار ما بعده عار وخذلان وذل ما بعده ذل. موقف الجامعة لعربية المخزي ..
أتذكر نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة كلما كان هناك عدوان على الفلسطينيين كانت التلفزة العربية لا تكف عن شحننا بالتفاصيل، بالخطابات الرنانة، بالأغاني التي يجتمع فيها المشاهير، بزهرة المدائن، التي كانت وحدها طائرة تنفث سؤرها على الإسرائيليين، وكنا نردد معها و نعتقد أن كل طاقاتنا تنتصر و لو على بعد أميال، وكانت الجامعة العربية تندد و تستنكر وكان الغذاء و الدواء يصل إلى الأهالي. ولكن اليوم أشعر أن القادة العرب تحولوا في ظلام الليل إلى ذبابة كافكا أو إلى دمى يتم برمجتها لتختفي مع هذه الدماء التي تراق دون أن يرف لها جفن حتى أن الرئيس المصري قال بالحرف الواحد لماذا لا تأخذون الفلسطينيين إلى صحراء لحين تنتهي إسرائيل من حماس وكان الفنانون بعد أن أكلوا من بقشيش أبناء الملوك و غنوا في الخليج العربي فقدوا حناجرهم. لهذا وجدنا أنفسنا وحدنا حتى الجزيرة تسأل صحفي مراسلا من أين تنطلق الصواريخ بالتحديد وكأنه يريد أخبار تل أبيب بمكانها بالتحديد لتقصف وجدنا أنفسنا أمام شاشات مطبعة وحكام مطبعين لهذا فإن طاقاتنا على البكاء والصراخ صارت بائسة وليس لدينا معين للتعبير عن حجم ما يتملكنا من حزن وأسى وشعور بالخذلان.
جامعة الدول العربية اليوم هي تكيل بمكيالين وما أفرزته من مكاييلها منذ نشأتها بدافع استعماري ومن غير المستبعد ذلك !!
عقيمة لم تلد حراً ولا حرة قد أفضى بها العمر الى أرذله ثمانية وسبعون عاما من السلبية المقيتة مجالسها لم تنتج خيرا يذكر أبدا، فلا اجتماعات وزراء خارجيتها وداخليته ولا قمم حكامها لن تفلح في تقديم شيء في صالح الشعوب العربية وقضاياهم العالقة بل حتى الحديثة فيها كالقضية اليمنية والسورية بل زادتهم الجامعة ودولها سوءاً وتعقيداً وباطل كل ما تمخض عنها بشأنهم كان مجرد استنكار وإدانة ميتة. أما فلسطين فقد قدمتها الجامعة قرباناً مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني اللقيط معتبرة أن حل الدولتين بنظر أغلب أعضائها حلا مجزياً ومنصفاً للشعب الفلسطيني وهو عين الخذلان فيها.
ولا عجب كذلك في الصمت المطبق للاتحاد الأوروبي رسمياً على كل الخروقات العنصرية، بل التصفية العرقية التي تنتهجها إسرائيل بطريقة ممنهجة ومنظمة ضد الفلسطينيين، فتطور إسرائيل إلى نظام أبرتهايد قائم بذاته، يستعمل أبشع طرق الأبرتهايد ويقوننها ويحميها بالعسكر ورجال الأمن من مختلف الأنواع، لا يقضّ مضجع الاتحاد الأوروبي.
تمادي الكيان الصهيوني في عربدته وإجرامه بحق الشعب الفلسطيني قتلا وأسرا وانتهاكات حقوق شجعته المواقف السلبية لدى الحكام والملوك العرب وجامعتهم العبرية فلو كانت مواقفهم صادقة وحقيقية مع الشعب الفلسطيني وقضيته المستحقة لما تمادى الكيان الغاصب في غيه واستهتاره بالمواثيق الدولية وكأن بالحكام العرب قد تنصلوا من مبدئية تبني القضية الى مجاراة الأمر الواقع والقبول به ولاسيما وانه وجد في الفلسطينيين من قبل بمبدأ حل الدولتين من خونة الداخل .
اليوم نرى الدول العربية تنخرط بالباطل بذلك هي مؤازرة لتحالفها بالعدوان على الكثير من الدول العربية وتلوذ بالصمت أمام أي انتهاك يحصل لدولة عربية كما تلوذ بالصمت أمام القتل اليومي للفلسطينيين بدم بارد تماما كالأعمى والأبكم والأصم أرى أن جامعة الدول العربية لعبت أدوار ا في منتهى العمالة وهي في حالة موت سريري غير مُعلن منذ سنوات.. اليوم نرى صماتاً عربيا مريباً ولا ندري ما تحمله الأيام من أحداث بعد هذا العدوان الغاشم فرب ضارة نافعة قد تأتي بما لا يتوقعه أحد ثقة وإيمانا بالله سبحانه في نصرة بقاعه ووعده الذي سوف يتحقق وإن تحالف ضده حكام العرب ومعهم الغرب بصهاينته ..
في ظل هذه المعطيات التي تبرهن على الخذلان المزدوج. العربي الأوروبي للشعب الفلسطيني، لم يبق أمام الفلسطينيين إلا الاعتماد على أنفسهم قبل كل شيء، وعدم قبول أي مساعدة من أي جهة، مهما كان نوعها، وخصوصاً الحكام العرب.
الثورة الحقيقية للشعب الفلسطيني حالياً هي ثورته ضد من يتحكم برقبته، ويتلاعب بمصالحه في ما يسمى "السلطة الفلسطينية" المُعَيَّنة مباشرة من طرف الاستعمار. هناك مقاومة عربية إسلامية حقيقية تناضل من أجل حقّ الشّعب الفلسطيني في أرضه كلّها من دون اجتثاث أيّ شبر منها، وهي مقاومة حددت مبادئها وأهدافها، وحددت العدو والصديق، وهي الوحيدة التي يمكن للفلسطيني الحر الاعتماد عليها في نضاله الطويل، وليس هناك أي سبيل آخر أمام الفلسطيني لاسترجاع ما سُلب إلا بالمقاومة والنضال، وعدم فقدان الأمل في يوم النصر القادم لا محالة، وإن كان من الممكن أن يطول.
فلطالما كانت القضية الفلسطينية مركزية وأساسية للشعب العربي والمسلم، وهذا ما يجعل إسرائيل قلقة من أي تغيير في الأنظمة الحاكمة في المنطقة. بغض النظر عما يُدعى بمحور المقاومة، المهم بالنسبة لإسرائيل هو راحة بالها وهدوء حدودها. فمَن أكثر غبطة من الاحتلال عندما يرى الدول العربية تتناحر فيما بينها وتحاصر جيرانها وتمنع عنهم كل مقوّمات الحياة؟ مَن أكثر سعادة من إسرائيل عندما ترى بعض الدول العربية وهي تتهم واحدة من أكبر فصائل المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وتمنع دعمها .
اليوم نلاحظ بكل مرارة وعلى الرغم من وضوح الكثير من الأشياء كيف يصر العرب المسلمون على مواصلة نفس نهج الاستهانة بالقيم والمقدسات كأنها لم تعد تعني لهم شيئاً وما تركته حكومات الظلم والبغي والجور من إكراهات مفروضة عليهم باتباع ما كانت تراه مناسبا لها من أحكام مفارقة في تنفيذها بين الغني والفقير والوجيه والوضيع مضافا إليه ما دسه الاستعمار الغربي في أجيالنا لأمن ثقافة بعيدة عن قيمنا الإسلامية، في جوهرها رفض الظلم ومواجهته بكل سبيل أساس أخلاقي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتغير .
مَن أكثر راحة من إسرائيل عندما ترى الثورات المضادة للربيع العربي والانقلابات العسكرية تنال من الشعوب وتنكّل بهم أكثر من الأنظمة القديمة معبر رفح لا يتم فتحه إلا بإذن من الاحتلال وجنود إسرائيليون ثم يتصّل بعض الملوك بإسرائيل ويترجّونها لفتح أبواب الأقصى أمام المُصلين أي حالٍ وصلنا إليه فالعرب يشاهدون المسجد الأقصى يتم تدنيسه كل يوم من قبل المستوطنين وهم صامتون.
هل ستصحوا الشعوب العربية يوماً من هذا المخدر الإمبريالي وتكون سنداً مهماً من جديد للشعب الفلسطيني، كما كانت في الماضي القريب ولعمري إن هذا الجناح الرامي إلى إعادة وعي الإنسان العربي بقضايا أمته هو أهم ورشة مقاومة وأصعبها، لأنّه يعتبر مفتاح النضال واسترجاع ما تحاول صفقة القرن اجتزازه من الجسد الفلسطيني، بل كلّ ما سرقه الصهاينة منذ الاستعمار البريطاني لفلسطين أيضاً.
تيقن الشعب العربي من المحيط إلى الخليج أنَّ من يحكمونه، ليسوا أكثر من خدام مطيعين للإمبريالية الصهيونية لأميركية الحالية. لم يُضحِ الحكام العرب بفلسطين فقط، بل بمجموع القضايا العربية أيضا من أجل إبقائهم على عروشهم، سواء كانت ملكية أو رئاسية.
فلسطين الآن في أشد الحاجة إلى رجولة وأفعال وليست بحاجة إلى مسيرات ولا إدانة واستنكار لأن محتواها تحت مسمى
يقولون ما لا يفعلون..
وما بين العمالة للغرب والصهيونية يمضي حكام العرب في مؤامراتهم ضد بلدانهم وقضاياهم في ثنائية المكيال بمكيالين مجحفين مكيال الخيانة ومكيال العمالة وتمضي الشعوب في مقاومتها ونضالها على منهاج الدفاع عن قيمها مؤمنة بعدالة قضاياها صابرة محتسبة معانتها اليوم تحقق فيه مبتغاها من النصر وان غدا لناظره لقريب.
لذا أقول للمرابطين على خطوط التماس مع الأعداء استبشروا خيرا فما يستنبطه الزمن في المستقبل هو الوعد الإلهي وعد صادق غير مكذوب..