بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
يكاد يكون أبرز القوانين المعطلة التي يدار حولها الجدل والخلافات هو قانون العفو العام الذي يتداوله ويحث على إقراره بالعلن رموز الحكم الحالي فيما يعارضونه بالسر في موقف انتهازي وغير أخلاقي؛ وهو الأمر الذي يتسبب في زيادة معاناة المعتقلين ويغلق كل الأبواب أمام حريتهم وإنصافهم.
وهذا الموقف اللامسؤول إزاء محنة المعتقلين الأبرياء التي انتزعت منهم الاعترافات بطرق غير شرعية تسبب في إبقاء هذا القانون على الرفوف العالية رغم دعوات إقراره في محاولة لتكريسه سلعة متداوله في الحاضر لأن الانشغال بالماضي وتداعياتها أبقى العراق في الخانق الذي يتخبط به منذ عشرين عاما وربما أكثر إذا استمرت هذه السياسة الإقصائية في المشهد السياسي لأن تداعيات غزو العراق واحتلاله تسببت بانهيار منظومة الدولة وألقت بظلالها على مجمل أوضاع العراقيين وألحقت الأذى بشرائح وقطاعات كبيرة منهم، تحملوا وطأة هذه التداعيات طيلة العشرين عاما الماضية، ناهيك عن إزهاق أرواح مئات آلاف العراقيين وهدر وتبديد أموالهم فضلا عن اعتقال عشرات الآلاف بتهم كيدية وباعترافات وهمية جراء التعذيب الممنهج.
إن اتساع دائرة المتضررين من تداعيات الغزو القوانين التي أصدرها حاكم العراق المحتل السابق بول بريمر أدت إلى تفكيك الدولة العراقية وركائزها الحيوية وحرمت العاملين فيها من حقوقهم المدنية التي كفلتها القوانين حيث صادرت تلك القوانين حقوق المشمولين بتلك الإجراءات في محاولة لتحميلهم مسؤولية ما كان يجري في العراق قبل احتلاله.
ويقابل محنة المعتقلين وإنصافهم بإقرار قانون العفو العام قضية لا تقل أهمية عن الأولى وهي مستقبل العراق والحفاظ عليه، التي أصبحت قضية رأي عام من فرط تداعياتها على أمن وسلامة العراق المستقبلية التي يكاد يكون جميع القائمين على الحكم في العراق منذ غزوه واحتلاله يجمعون على الحفاظ على العراق موحدا أرضا وشعبا ويصرحون بالعلن رفضهم المساس بوحدته وأي محاولة لتقسيمه على أساس العرق أو الطائفة.
وهذه"القوانة" التي يرددها سياسيو العراق أصبحت مشروخة من فرط تكرارها على أسماع الجمهور إلا أن العارفين ببواطن الأمر واتجاهاتها يرصدون مسار الأحداث على الأرض.
وعلى الرغم من ان المسؤول الذي أوصل العراق الى هذا الحد من التداعي والانحطاط والفشل والانهيار معروف للجميع إلا أن منتج هذا الاحتلال أضاف احمالا جديدا على كاهل العراقيين جراء تسيد طبقة سياسية على العراق حولته إلى بلد مستباح مسلوب الإرادة هدرت أمواله، ناهيك عن إقصاء الآخرين والاستئثار بالسلطة بالارتكاز على نظام المحصصة الطائفية التي حمى سراق المال العام من المساءلة وجلبهم للقضاء.
تداعيات السنوات العجاف وتراكم الخيبات والنكبات والكوارث على مدى تلك السنوات هي التي عجلت وفجرت ثورة تشرين التي هزت أركان النظام السياسي وحلفائه وكشفته على حقيقته منهارا وغير قادر على مواجهة المد الشعبي المتصاعد ومطالبه المشروعة التي صادرها النظام.
إن ما يجري في ميادين وساحات العراق هو بالأحوال كافة ثورة شعبية على الظلم والاستبداد والفشل يستجوب من المسؤول الذي تسبب في الحال الذي وصل إليه العراق، فلا بد أن يرفع يده عن نظام فقد شرعيته ولاسيما وأن أكثر من مسؤول أمريكي رفيع أكد بأنها خطأ فادح وغير مبرر وغير أخلاقي، وما يعزز هذا الخيار الرفض الشعبي للنظام السياسي ولاسيما من جمهوره الذي أوصل رموزه إلى سدة الحكم.
وإذا رصدنا حال العراق بعد عقدين من الزمن نستطيع القول إن المغامرة التي تورطت بها إدارة بوش الابن كانت بالمقاييس كافة فاشلة وكارثية وقبل ذلك غير شرعية أدخلت العراق والمنطقة والعالم في فوضى عارمة وعدم استقرار مازالت تداعياتها متواصلة على أكثر من صعيد حتى الآن.
وتبقى محنة المعتقلين قضية عادلة ومشروعة لأن مقدار الظلم والأذى الذي لحق بهم طيلة السنوات الماضية بات يتطلب وقفة جادة وحان الوقت لتدويلها لأنصافهم بعد أن أصبحت قضية رأي عام.