بُكائيّةٌ لِدَمٍ أخير
الشاعر الأردني علي الفاعوري
دُخانُكَ أوجَعَ الأبوابَ طَرْقا
وصوتُكَ ما يَزالُ هُناكَ مُلْقى
*
نُحاسِيٌ وينفُخُ فيكَ وَهمٌ
فتخرُجُ مِن شُقوقِ الحُلمِ حَقّا
*
رماديٌّ شَرِبتَ النّارَ طَوعًا
فكيفَ تموتُ مثلَ العشبِ حَرْقا
*
وكيفَ وجَدُّكَ الصَّلصالُ تذوي
وكيفَ وأُمُّكَ الياقوتُ تَشقى
*
بنوكَ المُدَّعينَ سجودَ سَهوٍ
وقمصانًا تفيضُ عليكَ فِسْقا
*
أحلّوا من حَرامِكَ كلَّ وجهٍ
فعاشوا كاذبينَ ومُتَّ صِدقا
*
أيا خالَ الرّياحِ وذاكَ يكفي
لتبلُغَ أخضَرَ الرّاياتِ خَفقا
*
لأنَّكَ مِن سَحابٍ فاضَ أعلى
وأنّكَ مِن مياهِ النَّقصِ أنقى
*
خَرَجتَ على البلادِ بكأسِ شِعر
كأوَّلِ عابِدٍ يَسقي ويُسقى
*
لأنّ الشِّعرَ آلهةُ الحَكايا
ستبقى فيهِ مُكتظًّا ويبقى
*
سبيلُكَ للعيونِ فخُذ مَزيدًا
وأرِّخْ للقصيدةِ كي تَرِقّا
*
فحَسبُكَ أنّ للأردُنِ نَهرًا
توزّعَ نبضُهُ غربًا وشَرقا
*
وحسبُكَ مِن عُيونِ القدسِ دمعٌ
على طِفلٍ إلى الملكوتِ يَرْقى
*
وحسبُكَ أنْ سَنقطُرُ ياسمينًا
ونَنبُتُ حيثُ تزرعُنا دمَشقا
*
عِراقيّونَ في دمِنا فُراتٌ
لدجلَةَ ما يزالُ يفيضُ دَفْقا
*
حِجازيّونَ لو شَحَّتْ سماءٌ
سنَلمَعُ في هوا صنعاء بَرْقا
*
يَمانيّونَ حين تفوحُ نَجدٌ
مِن البُنِّ العتيقِ نَصُبُّ عِشْقا
*
نخيليّونَ هذي الأرضُ تدري
بأنّا والتُّرابَ هُنا سَنَبقى
*
ومحكِيّونَ في كلِّ الحَكايا
كأجراسٍ ملأنَ الرّيحَ دَقّا
*
ومَكتوبونَ في السَّبعِ المثاني
كأعلى عُروَةٍ للخيلِ وُثْقى
*
وأمّا الآنَ والتّاريخُ أعمى
وكُلُّ الجالسينَ إليهِ حَمْقى
*
بأمرِ البَحرِ ترفُضُنا المَواني
وتَرمينا على الطُّرقاتِ غَرقى
*
فلا نوحٌ ولا جوديُّ يُنجي
ولا موسى فيُمعنُ فيهِ شَقّا
*
هُنا يتوقَّفُ المعنى ليَمضي
ويَلقى في سبيلِكَ ما سَيَلقى
*
بآخرِ دمعتينِ وبيتِ شِعرٍ
وصاحِبَةٍ تموتُ الآنَ شوقا
*
سَأتْلو سُورَةَ المَسفوكِ مِنّي
وعَنّي سوفَ أخلَعُ ما تَبَقّى