الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات بماذا امتازت انتفاضة تشرين عن سابقاتها عراقيا وعربيا؟


نظير الكندوري

في كل حراك شعبي وجماهيري يقوم به شعب ما، أو مجموعة بشرية ما، ‏ضد الأوضاع السائدة في بلدانها، فإن له أسبابه التي دفعته للخروج، وله ‏أيضا مطالب يريد تحقيقها. وتتعدد الأسباب الدافعة له للخروج، وتتعدد كذلك المطالب التي يهدف لها الحراك، وفقا لطبيعة ‏الأسباب والمحفزات التي أدت لانطلاقه. ‏

الأسباب والمطالب ‏

فمن الأسباب على سبيل المثال عدم توفر الخدمات، أو وقوع ‏مظالم من قبل السلطة الحاكمة، كالمظالم السياسية، أو مظالم ‏حقوقية، أو احتكار السلطة من قبل اشخاص معينين، أو ‏فئة معينة، وعدم السماح للآخرين بالمشاركة السياسية. ولربما يكون ‏سبب اندلاع الانتفاضات هو احتلال البلد من قبل دولة أجنبية تستغل ‏ثروات ذلك الشعب، وتفقده القدرة على امتلاك إرادته السياسية، ‏وتسلبهم حريتهم.‏

أما المطالب التي يخرج من أجلها الحراك الشعبي، فهي ببساطة، تتمثل ‏بالسعي لأجل النجاح في قلب الصورة والحالة التي يعيشها الشعب بوضعه ‏الراهن، والعمل على سحب السلطات بكاملها وارجاعها للشعب، لكي يرسم ‏مستقبله بشكل جديد، يكون بحالة أفضل مما كان عليه سابقا.‏

وإذا ما أردنا أسقاط هذا التفسير في أسباب نشوء الحراك ومطالبه، على ‏حالة الشعوب العربية، فإننا بالمحصلة نرى أن الأسباب التي أدت لانطلاق ‏ثورات الشعوب العربية، والمطالب التي نادت بها لتحقيقها، والتي أطلق ‏عليها بثورات ” الربيع العربي”، لا تخرج كثيرا عن ملامح ‏الانتفاضات التي ذكرناها. ومن المؤكد إن الحالة العراقية لم تكن استثناء ‏من تلك الثورات العربية. فقد كانت بعض تلك الأسباب المذكورة أو ‏جميعها، هي من جعلت الشعب العراقي يخرج بعدة ثورات شعبية سلمية، ‏امتدت منذ 2011 وإلى 2020، وكانت مطالبها لا تختلف كثيرًا عن مطالب ‏الشعوب العربية، إلا في موضوع واحد هو موضوع الاحتلال، الذي عانى ‏ويعاني منه الشعب العراقي حتى الأن، سواء بوجهه الأمريكي أو الإيراني.‏

خصوصية الشأن العراقي

ولفهم أسباب ومطالب الانتفاضات العراقية، لا بد لنا من فهم خصوصية ‏الشأن العراقي قبل ذلك، فبالإضافة إلى تلك الأسباب التي جعلت الشعوب ‏العربية تخرج منتفضة على أنظمة الحكم المسلطة عليها في بلدانها، كان ‏هناك في العراق، أسباب أخرى جعلت العراقيين يخرجون بانتفاضات ‏وثورات عديدة لنيل حقوقهم، تمثلت في أثار الاحتلال على الحالة ‏العراقية، سواء كان الاحتلال الأمريكي في البدء، أو الاحتلال الإيراني لاحقا، ‏مما أضاف إلى المشهد العراقي تعقيدا أكبر بكثير مما هو موجود في البلدان ‏العربية الأخرى. وهي السبب في تأخر خروج الانتفاضات العراقية، بل هي ‏من كانت السبب في دفع الشعب العراقي اثمان باهظة في كل مرة يخرج فيها ‏منتفضا ضد الأوضاع السائدة، والتي يمكننا تلخيصها بالنقاط التالية:

أولا: الانقسام الطائفي

واحدة من أكثر أوجه التعقيد في المشهد العراقي، هو ما تركه الاحتلالين من ‏آثار مجتمعية بالغة السوء، جعلت عملية الخروج بانتفاضة ضد الأوضاع ‏الفاسدة السائدة، أمرا في غاية الصعوبة، بل أحيانا كان متعذرا لوقت ‏طويل من الزمن. ونقصد بذلك “الانقسام الطائفي” الذي كرسه الاحتلال ‏الأمريكي والإيراني في المجتمع العراقي. الأمر الذي أدى لإحداث شرخ كبير في ‏هذا المجتمع، وغياب للثقة بين مكوناته – مازال المجتمع العراقي يعاني منها ‏حتى الأن-. جرَّ ذلك الانقسام المجتمعي، لانقسام آخر، كان على مستوى ‏الحراك الشعبي العراقي، ودخلته مشكلة الانتفاضات المناطقية، ذات ‏الأهداف المناطقية والفئوية. فلكل مكون أو طائفة مجموعة من المظالم ‏والمطالب الخاصة بهم، دون أن يكون هناك حراكا جامعا لكل الشعب العراقي، تتوحد ‏تلك المطالب تحت خيمته، على الرغم من تشابه تلك المظالم والمطالب في أساسها ‏ومسبباتها. ذلك ما شهدته انتفاضة المناطق العربية (السنيَّة) عام 2013، والانتفاضات ‏والمظاهرات العديدة التي خرجت في مدن وسط وجنوب العراق ذو الغالبية ‏العربية (الشيعية) منذ عام 2015، والأمر ذاته شهدته مدن كردستان شمال ‏العراق ذات الغالبية الكردية. حيث خرج الكرد بسلسلة من الانتفاضات على ‏سياسييها والتي – للأسف – لم تستطع جميعها الوصول إلى النتائج التي ‏ترجوها، وتحقيق المطالب التي خرجت الجماهير لأجلها، بسبب القمع المفرط لها. الأمر الذي مكَّن السلطات العراقية المدعومة من قوى الاحتلال، ‏من الانفراد بتلك الانتفاضات كل على حدة، وسهل عليها أمر قمعها وانهائها.‏

ثانيا: الصمت إزاء الانتفاضات العراقية

انفردت الانتفاضات العراقية دون الانتفاضات العربية الأخرى في ‏ضعف وصمت إعلامي عربي وعالمي إزاء مجرياتها والقمع الذي لاقته. ‏ونرجح أن تعود الأسباب إلى أن العراق كان ولا يزال محتلا من قبل أكبر دولة ‏بالعالم، وهي الولايات المتحدة الامريكية، بالإضافة إلى الاحتلال الإيراني، ‏والجميع يخشى التعامل مع أحداث تمس خطط واشنطن في العراق، أو أن ‏تمس بالعملية السياسية التي جاءت بها للعراق بعد 2003. ذلك ‏لإن الانتفاضة على هذا النظام السياسي، يعني بشكل أو بآخر، انتفاضة ‏على المشروع الأمريكي المتمثل بالعملية السياسية التي جلبها الأمريكان إلى ‏البلاد، وكذلك يعتبر انتفاضة على النفوذ الإيراني المتغلغل فيه، وهذا ما لم ‏تسمح به الولايات المتحدة، ولا إيران. لذلك احجم الاعلام ‏العربي والدولي عن تناول موضوع الانتفاضات العراقية، ولم تجد تلك ‏الانتفاضات تفاعلا أو تعاطفا من قبل الاعلام العربي والعالمي، لتغطية ‏أحداثها، أو دعمها من قبل تلك الدول. ‏

ومن الجدير بالذكر، أن موقف الدول العربية والعالمية هذا، مشابه بشكل ‏كبير موقفها من المقاومة العراقية ضد المحتل الأمريكي في بداية الاحتلال، ‏فرغم شراستها وقوتها وإثخانها بالمحتل الأمريكي، إلا أنها عانت من قلة ‏الدعم العربي والإسلامي وحتى الدعم العالمي، لأن الجميع كانوا في خوف ‏من التورط بمشاكل مع الولايات المتحدة الأمريكية. ‏

ثالثا: العراق كان ساحة حرب

ومن الأسباب التي أدت لصعوبة انطلاق الحراك الشعبي مبكرا، وعدم ‏نجاحه حتى الان في الوصول الى أهدافه، هو أن العراق ومنذ 2003 كان ولا زال ‏ساحة حرب، لا تدع مجالا لأي حراك سلمي بالنجاح والوصول إلى أهدافه، ‏بدءا من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد النظام العراقي السابق، والتي ‏انتهت بإسقاطه، مرورا بحرب المقاومة العراقية ضد المحتل الأمريكي، والتي ‏تركزت في المناطق السنيَّة من العراق، ثم الحرب ضد تنظيم القاعدة ، والتي لم تنته حتى الان من تصفية جيوبها. هذا الأمر ‏كان ذريعة جيدة للسلطة الحاكمة، للتنصل من مطالب المنتفضين ضد ‏سلطتها وتحجيمها. واستخدمت لذلك تهم الإرهاب لتلقيها ضد معارضيها ‏وضد ناشطي التظاهرات. ولم تنس استخدام البعد الطائفي لتخويف ‏شرائح مجتمعية عراقية من شرائح مجتمعية عراقية أخرى. ‏

أضف إلى ذلك، هو خشية الجماهير من البطش والعنف الحكومي ‏والمليشياوي ضدها استغلالا لحالة الطوارئ التي تعيشها البلاد. فقد كان لها أثرا ‏في وأد التظاهرات والانتفاضات، بالإضافة إلى أن السلطات الحاكمة كانت ‏تعتبر أي حراك شعبي هو تهدد للأمن العراقي، وتتهم المتظاهرين بالانتماء ‏للمنظمات الإرهابية، أو العمالة لدول أجنبية أخرى. ‏

بماذا امتازت انتفاضة تشرين عن سابقاتها

الانتفاضة التي خرجت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، لم تكن ‏مفاجئة، ولا هي جاءت بعد صمت شعبي طويل. بل بالعكس فقد كانت ‏مكملة لانتفاضات وتظاهرات صغيرة وعديدة سبقتها بالخروج على الوضع ‏المأساوي السائد بالعراق في السنوات الأخيرة. لكن الجديد في انتفاضة تشرين، أنها ‏كانت أكثر تنظيما، وتضم فئة شبابية لم يسبق لها أن عاشت مرحلة ما ‏قبل 2003. كما وسبق الاعداد للانتفاضة والدعوة لها بوقت كافي، لتحشيد ‏الشباب للقيام بها. رافق ذلك، عجزا حكوميا عن الاستجابة ولو للحد الأدنى ‏من المطالب المرفوعة، وعدم امتلاك النظام للحجج الكافية والمقنعة لقمعها وعدم ‏الاستجابة لمطالبها كما كان يفعل بالسابق، كتلفيق التهم بالانتماء لمنظمات ‏إرهابية، أو التحجج بوجود حالة طوارئ بسبب خوض حرب ما. ففي وقت ‏خروج انتفاضة تشرين، لم تكن هناك حرب مفتوحة بشكل واسع ضد ‏منظمات إرهابية، ولم تكن للحكومة حجج كافية ومقنعة لإحجامها عن ‏مكافحة الفساد المستشري بالدولة، وليست هناك مبررات لهذا التوغل ‏المليشياوي بالمجتمع، بالإضافة إلى افتضاح أمر التخادم بين أحزاب ‏السلطة ومليشياتها، وبين المحتل الإيراني للعراق. كما لم يجد النظام ‏الإجابة المقنعة للشباب المنتفض عن أسباب تعمد النظام في جعل ‏الاقتصاد العراقي يتجه للانهيار خدمة لمصلحة الاقتصاد الإيراني، ناهيك ‏عن التبعية غير المبررة من قبل الحكومة العراقية للنظام الإيراني. ‏

وبالتالي فإن النظام العراقي، لم يجد طريقة للتعامل مع هذه الانتفاضة، ‏سوى استخدام القوة ومنذ اليوم الأول، معتبرا هذا حلا مثاليا لفض تلك ‏الانتفاضة. الأمر الذي جاء بنتائج عكسية، فقد فجَّرت عند الشباب العراقي ‏المنتفض حالة من الغضب بسبب الاحتقان المتراكم منذ سنوات ضد هذا ‏النظام، وأصر على استمرار انتفاضته وبشكل سلمي وعدم الانجرار ‏لاستخدام القوة مقابل القوة، نتيجة ما شاهدوه من انحراف توجهات ‏الثورات حينما نجحت أنظمتها بجر المتظاهرين لعسكرة حراكهم السلمي. ‏وازدادت اعداد المتظاهرين رغم استخدام كل أنواع العنف ضدهم، ‏وانتشر الحراك أفقيا. وبدلا من أن ينحسر في ساحة التحرير وسط ‏بغداد، انتشر في باقي مدن وسط وجنوب العراق.‏

انتفاضة ضد البنية الفكرية للنظام

امتازت انتفاضة تشرين، بأنها لم تكن ضد فقدان السيادة الوطنية ‏فحسب، ولا ضد عدم توفر الخدمات الأساسية، أو ضد التسلط ‏المليشياوي، وضياع ثروات البلد، إنما كانت ضد بنية النظام الفكرية، والتي ‏كانت على أساس ومنهج طائفي، وتحويل الدولة المدنية إلى دولة ثيوقراطية ‏مشابهة لنظام الحكم في إيران. فمنذ اليوم الأول للانتفاضة رفعت ‏الشعارات الوطنية بالضد من الطائفية التي جلبتها أحزاب النظام، ومنعت ‏أفرادها من رفع أي شعار طائفي أو انتماء طائفي أو قومي أو ديني، وجعلت ‏الانتماء الوحيد هو للوطن. ورفعت شعارات ضد التدخلات الإيرانية، ‏ووجهت الانتفاضة رسائلها لكل الأطياف العراقية، وبالأخص السنَّة منهم، ‏بأن هذه الثورة هي ثورة كل العراقيين، وليست ثورة شيعية فقط، رغم أنها ‏انطلقت بالأساس من المناطق الشيعية، ومن قام بتفجيرها هم الشباب ‏الشيعة.‏

ميلاد أمة

إن انتفاضة تشرين، ستكون ذكرى ميلاد أمة من جديد. ففي الوقت الذي أجمع ‏العديد من المراقبين للوضع العراقي، بأن العراق يسير إلى الهاوية من ‏الناحية الفكرية والعقائدية والعلمية وسيكون مثالا للفشل الذي يمكن أن ‏يصيب الدول، جاءت انتفاضة وثورة تشرين لتكذب كل تلك التوقعات ‏والتحليلات، وتثبت أن الشعب العراقي شعب خلاق قادر على أن يبعث للحياة من جديد، وهو وسط الركام.

مقالات متعلقة