بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
أحد الأشكال الفعلية لتغييب سيادة بلد ما؛ هي حرمانه من استقلاليته في سياسته النقدية.
إلى ١٩٥٨، كان الدينار العراقي مرهون بالجنيه الإسترليني، عملة المستعمر البريطاني، مما جعله يتأثر بتقلبات الجنيه (التضخم، تغيير سعر الفائدة الخ).
منذ ٢٠٠٣ تم ربط الدينار بالدولار، المستعمر الجديد، وبذلك أصبح رهين السياسة النقدية الأمريكية وتقلبات سعر الدولار، الفكرة النيوليبرالية خلف قانون استقلالية البنك المركزي ٥٦ في ٦ مارس ٢٠٠٤ (قانون غير شرعي لأنه خالف القانون الدولي بعدم تغيير دستور وقوانين البلد المحتل، وغير شرعي لأنه أقر من قبل بول بريمر، أي السلطة المحتلة قبل صياغة والاستفتاء على "دستور" ٢٠٠٥ وتقنينه)، هي تقنين السوق الحرة ومبدأ المنافسة، لكن فعليا كان القرار جيوسياسي وجيواقتصادي يهدف إلى التحكم بالسياسة النقدية العراقية من قبل الاحتياطي الفيدرالي، وإلى تقنين هيمنة الدولار وصندوق النقد للتحكم بالنفط والاقتصاد العراقي.
السياسة النقدية
أهداف السياسة النقدية والحفاظ على قيمة الدينار هي بشكل عام دعم الأهداف التنموية، العمالة، استقرار الأسعار وتوازن المدفوعات الخارجية.
بالإضافة إلى الدولار، قيمة الدينار العراقي مرهونة أيضا بسعر النفط، تقلبات الأسعار في سوق النفط الدولية تؤثر بشكل مباشر على قيمته، وبما أن الدينار يستخدم فقط في العراق وخارج أسواق العملة العالمية، أصبح الدينار طارد أو غير جذاب للاستثمارات الأجنبية، وبما أن عملات الدول المصدرة للعراق، إيران وتركيا، أقل قيمة من الدينار، أدى ذلك إلى استنزاف الدولار للاستيراد وعرقل الصناعة والزراعة والخدمات في العراق التي كان بإمكانها تغطية الحاجة المحلية.
غياب وتغييب اقتصاد عراقي متنوع ولا يعتمد فقط على النفط سيؤدي دائمًا إلى عدم استقرار قيمة الدينار وعجز في الميزانية حينما تهبط أسعار النفط.
سعر الصرف
سعر الصرف تؤثر عليه عدة عوامل، مثل سعر الفائدة، عجز الموازنة العامة، نسبة الاحتياطي من الدولار في البنك المركزي، نسبة القروض الداخلية والخارجية، التضخم، إنتاجية الاقتصاد الخ. في العراق هناك عوامل أخرى: منها استنزاف واحتكار تجار وسماسرة الدولار، شبكة الفساد النقدي، للدولار وبلبلة سوق العملة من خلال إشاعات وتلفيق أخبار كاذبة؛ غياب الأمن الحدودي، غياب سيادة القانون والتحكم بالنوافذ الحدودية، بالأخص غير الرسمية المستخدمة للتهريب، ومحاسبة الفاسدين وتجار العملة الخ. السبب واضح: ليس من مصلحة الناهبين للمال العام وتدويره كـ مال سياسي واستنزافه كآلية دعم للنظام الإيراني الراعي للفساد فرض القانون ومحاسبة الجريمة المنظمة التي تعتبر بمصاف جرائم الإرهاب. وأفضل وسيلة للحفاظ على منظومة الفساد هي إبقاء العراق معتمدا بالكامل على القطاع النفطي وإهمال منهجي للقطاعات الأخرى لأن الريع النفطي يجعل الأحزاب والميليشيات مستقلة عن إرادة الشعب في سلطتها وعن القطاع الخاص في تمويلها كما يرهن الشعب بالأحزاب للحصول على الوظائف الحكومية والتعيينات.
هذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والخدمات والبنى التحتية، مثلا صرف العراق على ملف الكهرباء أكثر من ٨٢ مليار دولار وإلى الآن العراق يعاني من نقص الكهرباء، كيف للصناعة والزراعة والخدمات أن تنتج بلا طاقة؟ إذن ما فائدة تغيير سعر الصرف؟ الفائدة تخص المنظومة الحاكمة:
رفع سعر الصرف أدى إلى تخفيض ضغط النفقات على وزارة المالية مما مكّن وزارة المالية من تجاوز الأزمة الناتجة عن انخفاض أسعار النفط عالميا في ٢٠٢٠/٢١.
الحكومة استفادت أيضًا من تخفيض العملة في تعزيز ميزانيتها المالية من خلال توفير بحدود ربع من قيمة رواتب الموظفين والمتقاعدين الخ.
بما أن رواتب الموظفين تصرف بالدينار، في حين أن واردات الدولة من النفط بالدولار، لذلك بدل أن تخفض الدولة الرواتب مما يؤدي إلى زيادة زخم الاحتجاجات الشعبية، لجأت إلى تخفيض قيمة العملة.
لا تستطيع الحكومة التي تتعاقد مع المستثمرين بالدينار العراقي إعادة سعر الصرف إلى وضعه السابق لأن ذلك سيولّد مطالبات بتعويضات من قبل المستثمرين. خلاف لغط الإطار التنسيقي وأكاذيبه بخصوص سعر الصرف، لن يتغير سعر الصرف في السنوات القادمة لأن خفض قيمة الدينار جاء ضمن اتفاقية مع صندوق النقد لعدة سنوات.
احتياطي البنك المركزي المتضخم
ارتفاع حجم الاحتياطي النقدي في البنك المركزي العراقي إلى ما يقارب ٩٥ مليار دولار لم تأتي نتيجة لتغيير سعر الصرف، وإنما بسبب انتعاش أسعار النفط عالميا خلال السنوات ٢٠٢٠/٢١. أي انهيار لأسعار النفط سيؤدي إلى تراجع الاحتياطي النقدي.
خلاف التصريحات الشعبوية، لا يستطيع العراق التصرف باحتياطي البنك المركزي المودع في نيويورك بسبب فرض التزامات دولية تتعلق بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وخصوصا بعد العقوبات المفروضة على إيران وروسيا وارتباطهما بالحرب في أوكرانيا.
تقييد الاحتياطي الفيدرالي وتضييق خناقه على طلبات التحويلات للمصارف العراقية تتعلق بممارسات هذه المصارف في غسيل وتبييض الأموال وتحويلها إلى إيران وروسيا وسوريا ولبنان الخ.
هذه المصارف الأهلية وسماسرة الدولار لا تعمل دون غطاء سياسي من الأحزاب والميليشيات المتورطة بتهريب العملة عبر منافذ حدودية غير رسمية. عدم جدية وتخاذل الحكومات العراقية في اتخاذ أي إجراءات قانونية وأمنية تجاه استنزاف الدولار وتهريبه لخارج العراق وعدم أخذ التحذيرات الأمريكية بمحمل الجد دفع بالحكومة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي بالضغط على حكومة السوداني وفرض إجراءات جديدة، تتضمن حضر بعض المصارف والتدقيق بطلبات الحوالة ورفض أغلبها مما قلل من كمية الدولار المحولة للعراق.
من جهتها تحاول الشبكات النقدية الفاسدة المغطاة سياسيا والمحتكرة للدولار استغلال الأزمة وتأثيرها على المواطنين لأرباك الشارع وزعزعة الحركة الاقتصادية وتحويل نقمته على الطرف الأمريكي لمقاومة أي إجراءات فعلية لمحاربة فساد سوق العملة المشبوه، علي غلام مثلا يمتلك ٣ مصارف كبرى تحتكر نصف مبيعات البنك المركزي يوميا، أي نصف مبيعات الدولار تذهب إلى إيران يوميا!
مثال آخر لاستنزاف الموارد العراقية لصالح إيران والالتفاف على العقوبات الأمريكية هو اتفاق السوداني الأخير في طهران على "عقد تجاري" بقيمة ٤ مليار دولار مقابل "خدمات" طبية الخ.
بالإضافة إلى ذلك "العراق يبيع النفط الإيراني بأسعار مخفضة في الأسواق العالمية على أنه نفط عراقي، ويسلِّم إيراداته إلى إيران"
حسب البنك الدولي يكلف حرق الغاز (أي هدره وتلويث البيئة والاستهتار بصحة المواطنين) العراق إيرادات مفقودة بنحو ٢.٥ مليار دولار سنويا، كمية كافية لسد معظم النقص في معروض الغاز لتوليد الكهرباء، نفس المبلغ اللي يدفعه العراق لاستيراد الغاز الإيراني بضعفي السعر.
المشكلة هنا تكمن في الآلية الراعية للفساد: مزاد بيع الدولار! عوضا عن الهدف المقصود من التقنية، تثبيت سعر صرف الدينار ومنع المضاربة به، غدت وسيلة لاستنزاف الدولار وتهريبه لإيران.
انهيار الدينار
المراد من الحديث الأزلي عن تغيير صرف العملة وتقوية الدينار العراقي مقابل الدولار هو التغطية على تبييض وغسيل الأموال وعلى فشل الحكومات ومجالس الناهبين في تمرير سياسات وتشريعات ترافق تغيير صرف العملة لصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة في ظل انعدام شبه تام للسياسات الصناعية والزراعية التي كان بإمكانها امتصاص التأثير السلبي لسعر الصرف (قوة الدينار في ظل طاقة إنتاجية معدومة وعملة إيرانية وسورية ولبنانية وتركية متدنية تعني تصدير هذه الدول لبضائعها للعراق واستنزاف العملة الصعبة، تحويل الدولار إليها): لا صناعة وزراعة تدعم المنتوج المحلي و تزيد العرض، وبذلك تخفض الأسعار، ولا سياسات اجتماعية لدعم الفقراء، ولا سياسة نقدية للحد من التضخم ماذا بقى!؟ صراع حزبي على المناصب بين أقطاب الإطار الإيراني، خصوصا محافظ البنك المركزي، ولغط سياسي شعبوي لا يغني ولا يشبع، فشل ثم فشل ثم فشل!
السياسة النقدية الفاشلة ومزاد عملة الفساد وتهريب الدولار إلى إيران وسوريا ولبنان والحوثي وعدم وجود اقتصاد منتج بسبب تدمير الصناعة والزراعة والخدمات لصالح إيران لدعمها ضد الحصار والمشاريع الوهمية المستنزفة للدولار هو السبب الحقيقي خلف صعود الدولار وليس مؤامرة أمريكا على أتباع الحسين كما يقول الخبير الكاتيوشي هادي العامري.
المطالب الشعبوية لأحزاب الإطار الآن بإرجاع سعر الصرف إلى عهده السابق (مسألة اجتماعية مهمة أثرت بشكل مباشر على المستوى المعاشي للطبقات الوسطى والكادحة والفقراء) تهدف إلى تأجيج الشارع، أي خطوة تكتيكية للانقضاض على منصب محافظ البنك المركزي للالتفاف على الضوابط المفروضة من قبل الاحتياطي الفيدرالي للحد من تهريب الدولار إلى إيران.
...ويستمر الفساد واستنزاف الموارد العراقية في زمن محاصصة الـ٤٠ حرامي وعرابهم خامنئي!