أعلنت القوى الوطنية العراقية عن ميثاقها الذي يُعد مثابة لجميع المكونات المنضوية تحت مظلة مشروع مقاومة الاحتلال ومخرجاته ولاسيما مشروعه السياسي (العملية السياسية)؛ لتتجاوز تلك القوى ـ رغم صدود إقليمي ودولي متعمد ومقصود عنها ـ عقبات كثيرة وضعت أمامها، وهي تستعلي على جمٍّ غفير من المعوّقات بشتى أصنافها وبتعدد مصادرها.
الإعلان عن الميثاق الوطني العراقي كشف أمورًا كثيرة في ميدان العمل الوطني المناهض للاحتلال بشقيه الأمريكي والإيراني المرتبطين بشراكة إدارة العملية السياسية؛ فقد ظهر الميثاق بمحتواه وبطبيعة القوى متنوعة التوجهات التي وقعت عليه؛ ثمرة عمل وجهد كبيرين امتدا لأكثر من سنتين شهدت شهورهما مشاورات وتنسيقات وحراكات مستمرة عكست جدية القائمين على الفكرة، وصدقهم في تأسيس مشروع متجرد يتناول القضية العراقية من منطلق وطني وبمسار جمعي للوصول إلى هدف واحد يشمل العراقيين بمكوناتهم جميعًا بالوصول إلى حالة الأمن والحرية، والبناء والعدل، والسيادة.
كلمات ومواقف ألقيت وظهرت في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن الميثاق؛ أبرزت جانبًا آخر من الجهد الذي بُذل في مراحل تكوينه؛ بدءًا من الفكرة والتأسيس، ومرورًا بالمشاورات والحوارات الموسعة العامة والضيقة الخاصة، ثم بصياغة المسودة، وانتهاءً بالإعلان ومتعلقاته، فضلًا عن المعاناة التي واجهتها اللجنة التنسيقية في جميع تلك المراحل؛ فهي لم تكن مجرد عائق يحول دون إتمام المشروع بل كانت معقدة لدرجة ظهور محاولات لقتل الفكرة من خلال التشويش عليها تارة، وصناعة خطوط تقاطع معها تارة أخرى، علاوة على انعدام تقديم أي شكل من أشكال الدعم رغم أن المبادرة مرضية لكل العقلاء! ولكن مع ذلك كله نضج الميثاق، وأبصر النور، وقطف القائمون عليه ثمرة جهدهم التي سيحفظها التأريخ لهم شهادة حق بين الأجيال على تعاقبها.
الشمولية التي يمتاز بها الميثاق الوطني العراقي تعطيه علو كعب على غيره من المشاريع المطروحة في الساحة العراقية، فضلًا عن سموّه على ما سواه من أفكار يُراد لها أن تكون رائجة داخل أطر العملية السياسية من أجل أن تُمنح الدعم والترويج الذي يهرول لهما طالبو المصالح من أصحاب الأفق الضيّق، ولذلك تضاف مزية أخرى للميثاق الوطني العراقي بأنه محطة للتمايز بين الصفوف، ومعيار لإثبات حقيقة الانتماء الوطني للقوى التي تعمل أو تلك التي تدعي أنها تعمل خارج منظومة مشروع الاحتلال السياسي في العراق باتجاهيه الدولي والإقليمي.
وفي الوقت الذي تحاول القوى الوطنية العراقية تأسيس مرجعية وطنية ذات أرضية مشتركة بمقاصد توحيد الصفوف والرؤى، والانصهار في إطار عراقي جامع عام بعيد عن التبعيات ومنافذ التحكم الخارجي؛ تتزايد التحديات التي تفرض نفسها في مواجهة الصف الوطني، الأمر الذي يوجب الحذر من أي حراك يكون خارج إطار الميثاق وخاصة المحاولات التي يُراد لها أن تُصنع على عين الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالواقع والتأريخ أثبتا يقينًا أن المشهد العراقي مؤلف من فسطاطين: فسطاط الاحتلال ومشروعه، وفسطاط المشروع الوطني المناهض، ومثلما لا يحتمل هذا المشهد حالة الوسط أو الوقوف على التل؛ فهو لا يقبل أن يكون فيه فسطاط ثالث لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! والعقل والمنطق يؤيد ما أقرّه الأقدمون بقاعدة واقعية في ميدان التدافع والصراع بين الحق والباطل؛ بأن من لم يكن إلى الأول منحازًا صار إلى الآخر أدنى.
جهاد بشير