بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)
أطفأ العراق قبل أيام الشمعة العشرون مضرجة بدماء الآلاف من العراقيين في ذكرى الاحتلال الأمريكي، تلك الذكرى التي لم يعد هناك أي مجال للتشكيك في مدى مأساويتها نحيب الأمهات الثكالى والأرامل ودموع الأطفال أصدق تعبيرا عن سوداوية المناسبة.
في مثل هذا اليوم من عام 2003 حلقت قاذفات أميركية في سماء بغداد، أطلقت حممها على أحيائها الآمنة، معلنة بدء الغزو. العدوان سبقته سنوات من التخطيط والاستعداد حيث بني على مجموعة من الأكاذيب والمعلومات الملفقة كانت الغاية منها حشد تأييد دولي له، وإضفاء الشرعية والمشروعية عليه. لم تفلح المحاولات، انقسم العالم ونزل الملايين إلى الشوارع احتجاجاً... لكن جورج بوش مضى في سبيله.
ومن هنا بدأت القصة الملتزمون الواثقون من أنفسهم والثابتون على المبادئ، الذين تميزوا بالشهامة والشجاعة والغيرة لم يجلسوا في بيوتهم لانتظار قدرهم كما فعل البعض، فمنذ الأيام الأولى للاحتلال راح الثابتون يتزاورون ويبحثون عن الأصلاء ويجتمعون ويقررون الوقوف بوجه المحتل الأمريكي وكل من جاء معه على الدبابة الأمريكية.
فكانت النهضة الكبيرة للمقاومة العراقية الشريفة التي أذلت المحتل وأهانته وكشفت جبنه وتخاذله، فكانوا يصرخون كصرخات الأطفال والنساء في كل مواجهة مع المقاومة العراقية الباسلة الشريفة، لم يتأثر المقاومون الأبطال بكلمات الإحباط واليأس التي كانوا يسمعونها من البعض وماذا سيحصل .. ولن يعود يخرج المحتل .. وأنتم بطرانين وكان كل همهم الحفاظ على أرواحهم وعوائلهم وكأن المقاومين لا عوائل لهم.
في اليوم التالي للغزو، بدأت المقاومة الشعبية التي عُرفت بأنها أسرع مقاومة في العالم، وأكثرها إيلاما لمحتل، تفجرت عفويا من دون أي مساعدة أو عون عربي أو دولي، لتبدأ معها رحلة خسارة أكبر قوة عسكرية في التاريخ أمام مقاومة الشعب العراقي. لقد كان للتخطيط المبكر الأثر الأكبر في إدامة زخم المقاومة وازدياد الفعل الميداني واتساع رقعة هجمات المقاومين.
من هنا نقول: الشعب العراقي لم يستقبل الجيش الأميركي الغازي للعراق بالورود كما أشيع وكما صور المتعاونون من الخونة والعملاء والمرتزقة الذين جاؤوا خلف الدبابة الأميركية لإدارة بوش الابن، بل ومن اللحظات الأولى للغزو ولمدة ثلاثة أسابيع قاومت قطعات الجيش العراقي في البصرة القوات الأميركية ببسالة وشجاعة فاجأت المعتدين، ولم تختف المفاجأة حينما تقدموا صعودا إلى العاصمة بغداد إذ واجهوا مقاومة قطعات عسكرية متمركزة في عدة مدن، مثل الناصرية وكربلاء. أما معركة مطار بغداد التي أبلى فيها الجيش العراقي في مهاجمة القوات الغازية التي نزلت لاحتلال المطار، فكانت الصدمة الكبيرة الأولى للجيش الأميركي، وكانت إحدى أكبر المواجهات في الغزو، حتى أن قادة الجيش الأميركي استنجدوا بقواتٍ خاصة للمعركة التي لم يكونوا متهيئين لها.
لم يذكر التاريخ الحديث انبثاق مقاومة ضد قوات الغزو والاحتلال خلال أسابيع أو أشهر في حين شن المقاومون العراقيون أولى هجماتهم ضد قوات الغزو الأمريكية بعد أربع وعشرين ساعة أو أقل من ذلك، ليسجل العراقيون سابقة مهمة في تاريخ الكفاح الشعبي ضد الغزاة، ولا بد من التأكيد على العوامل التي تقف وراء ذلك وفي مقدمتها الإرث الحضاري والثقافي الذي يمتد إلى آلاف السنين والتجارب الطويلة عند العراقيين في التصدي للاحتلالات الكثيرة التي تعرض لها هذا البلد عبر تاريخه الطويل، وهناك عامل مهم دفع بالمقاومين إلى الانطلاق المبكر، ويتمثل هذا العامل بإدراك العراقيين أن أحدا لن يقف معهم لا من العرب ولا غيرهم، فالذي لم يشارك في برنامج غزو العراق منهم جلس القرفصاء والعصا الأمريكية تتأرجح فوق رأسه، فما كان من رجال المقاومة إلا النهوض بالمسؤولية بأنفسهم، لأنهم أدركوا في وقت مبكر خطورة المشروع الأمريكي بالعراق، وتمت قراءته من الزاوية الجوهرية وليس من القشور التي حاول الكثيرون الترويج لها فجوهر المشروع استهداف الأمة من خلال تدمير العراق وتمزيقه ووضعه لقمة سائغة بين أنياب أعدائه والطامعين به والحاقدين عليه وعلى إرثه الحضاري والتاريخي، ولا علاقة بالسيطرة على النفط بهذا المشروع الخطير، وما ترديد التحليلات والتفسيرات التي تضع جميع أهداف المشروع الأمريكي في زاوية النفط، إلا لعبة أريد من خلالها تغييب الوعي وتقديم المطامع الاقتصادية على جوهر المشروع، وبذلك – كما اعتقدوا – فإن العراقيين سيقعون في وهم انتظار خيرات الأمريكيين، على أنهم سيرحلون في نهاية المطاف، وإذا انطلى هذا الأمر على البعض، فإن عقول العراقيين النبهة لم تقتنع بكل ذلك، فوجدت أمامها عدوا مجرما، وأيقنت أن لا سبيل لهزيمة هذا العدو سوى القتال، فأسرعت باستلال الرماح قبل بلوغ الغزاة جميع غاياتهم وأهدافهم.
عمق الاستقطاب الطائفي الذي زرعته الأحزاب السياسية في الحكومة العراقية أدى الى ضعف المقاومة، وأكثر الطعنات التي أضعفت المقاومة الباسلة هي الطائفية اللعينة التي أججها البعض وفق الخطط الممنهجة من المحتل الأمريكي وربيبه الإيراني الذي كان يعمل بكل قوته وخباثته من أجل زرع الفتنة الطائفية والاقتتال الداخلي وإشغال المقاومة الشريفة ضد المحتل الأمريكي واتهامها بالاشتراك بالأعمال الطائفية القذرة.
ومثلما انطلقت المقاومة العراقية ضد الغزو الأميركي بسرعة، لم تتأخر الاحتجاجات ضد الاحتلال الإيراني إذ اشتعلت التظاهرات منذ العام 2011، وانتقلت شرارتها إلى باقي مدن الجنوب. ومن مدن كربلاء والنجف، هتفت الجماهير الغاضبة باسم الدين باكونا الحرامية لتسقط بهذا الهتاف قدسية الشخصيات والأحزاب الدينية المصنوعة في إيران التي تحكم العراق وتتحكم فيه وتنهبه. تحت الشعارات المطلبية للخدمات، كانت وما تزال تمور إرادة تحرير العراق التي تبلورت احتجاجا بعد احتجاج، وتظاهرة بعد تظاهرة
واذا كان الاحتلال الأميركي عام 2003 محل مواجهة شرسة وضارية من العراقيين الذي أطلقوا مقاومتهم ضد هذا الاحتلال، فإن تغوّل الميليشيات على الدولة قد أدى وساهم في إطلاق "ثورة تشرين" التي أزالت ورقة التوت عن عورة وسوءات نظام العملية السياسية التخادمية بين إيران والولايات المتحدة، ووضعت الطرفين في مأزق هزّ نفوذهما معاً، ما حوّل العراق من نقطة تخادمية بينهما، إلى مفصل تاريخي للتحرر من كليهما معاً.
اندلعت ثورة تشرين العظيمة في عام 2019، فهزّت أسوار المنطقة الخضراء، وأرعبت إيران وهتف شبابها إيران برّة برّة بغداد تبقى حرّة وأيضا (انعل أبو إيران لأبو أمريكا). ملحمة ثورة تشرين التي سُطرت بدم الشباب والشابات هي المقاومة الشعبية التي لم يتخلف عنها أي مكوّن عراقي، شاركت فيها جميع الأطياف والمكونات، منهم من نزل من كركوك ومن الموصل ومنهم من صعد إلى بغداد من الجنوب أو بالعكس، شباب مسلمون ومسيحيون رماهم القناص الولائي والإيراني، وقتل منهم أكثر من ألف شاب وشابة، وجرح ثلاثون ألفا خلال بضعة أسابيع، وغيب مئات في سجون عصابات الميليشيات التابعة لطهران. أجبرت الثورة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، وحكومته، على الاستقالة، وطالبت بتنحّي برلمان وأحزاب العملية السياسية التي أتى بها المحتل من أجل إقامة حكومة وطنية، ودولة حقيقية ذات سيادة ودستور جديد، تبني العراق على أسس التعدّدية الحزبية، وتداول السلطة بشكل حقيقي، وليس بالطائفية والمحاصصة وعمليات التزوير.
وعلى الرغم من القتل والقمع، عادت التظاهرات وبشدة قبل إجراءات كورونا، واحترام الشباب المتظاهر إجراء التباعد، وحتى بعدها، وما زالت مستمرة تنظم صفوفها وتطور أفكارا لإنهاء عملية الاحتلال الأميركي الإيراني بطريقة سلمية أو غيرها إذا اقتضى أمر تحرير العراق ذلك.
لم يعد لثوار تشرين أي أوهام بشأن العملية السياسية التي دمرت العراق تدميرا كاملا، وهي مستمرّة. وعلى الرغم من أن خيارهم السلمي كان أمرا أساسيا في استمرارهم في التظاهرات والاحتجاجات، لكنهم اليوم يناقشون بدائل أخرى، هم من سيقررها. ولقد أثبتوا، طوال أكثر من عام ونصف، ومنذ بداية الثورة، أنهم نعم الرجال ونعم الثوار، وكفء لكل عمل ناجح. لقد أذهل العراقيون العالم بمقاومتهم الغزو الأميركي، ويدهشون اليوم العالم بثورتهم التي انطلقت، ولن تتوقف، على الرغم من الهدوء النسبي المؤقت الذي تغلي تحته النفوس.
وعلى مدى عشرين عاماً من عمر الاحتلال الأميركي يعيش العراق والكثير من العراقيين واقعاً بائساً قتلاً وتهجيراً وتشريداً وفقراً وتسولاً وانعداماً للخدمات والكهرباء، وفساداً نخر عظام مؤسّسات الدولة وقطاعاتها الاقتصادية والإنتاجية والتعليمية والصحية رغم الموازنات الضخمة التي تسطو عليها الطبقة السياسية وميليشيات إيران المتغوّلة في مفاصل الدولة المهترئة.
ورغم كل هذا وبعد كل تلك السنوات تبين وأمام العالم أجمع أن الغزو الأمريكي فشل فشلا ذريعا ومن معظم الأوجه، ليس بسبب افتقاره إلى التخطيط وحسب، بل أيضاً بسبب سلسلة من الإخفاقات التي تلته وأصبحت سمات بارزة له. فمنذ البداية تقريباً، خسرت الولايات المتحدة قلوب وعقول كثير من الناس الذين على أساس قد قدمت لتحريرهم. إذ دعم هؤلاء بدرجات متفاوتة من الحماسة، أفعال أقلية صغيرة اتجهت نحو مقاومة تزداد عنفاً لما سمته عن حق احتلال وهو وضع أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الوصيّة على اتفاقات جنيف لعام 1949، والولايات المتحدة نفسها. مهما كانت أشكال الحماية القانونية التي وفرها وضع الاحتلال هذا للمدنيين العراقيين، فإنه كان يعني أيضاً مستوى معين من الهيمنة الأجنبية التي لم تعجب كثيرين منهم خلال أسابيع، بعد الغزو،
لقد أذهل العراقيون العالم بمقاومتهم للغزو الأمريكي ويدهشون اليوم العالم بمقاومة للمحتل.
وكأن قدر العراق الذي كان رأس حربة العرب ودرعهم ورمحهم الذي لا يلين أو ينكسر، أن يبقى في عين العاصفة هدفاً لمحاولات تقويضه وإسقاطه من معادلات القوّة والهيبة التي لطالما شكّلت مصدر توازن واستقرار البلاد العربية. لكنّ المؤامرات والحملات الاستعمارية المتوالية فعلت فعلها حديثاً في العراق منذ احتلاله وغزوه عام 2003، وجعلته بمثابة حديقة خلفية أو أمامية للولايات المتحدة الأميركية التي قضت مصلحتها في وضعه بين الأنياب الإيرانية.
في ضوء ذلك كله يمكن القول إن المقاومة سيشتد عودها، وستتمكن من مواصلة الضغط على أعصاب المحتلين وأذنابهم في الداخل العراقي وصولاً إلى دفعهم إلى الرحيل، حتى لو تم ذلك بعد سنوات تطول أو تقصر. لكن المسيرة التي تسبق ذلك لن تعني إلا مزيداً من الاستنزاف المالي والبشري، وليس عكس ذلك كما كانت مخططات أمريكا وإيران.
الخلاصة، فإن من يعتقد أن المقاومة انتهت وأن تشرين قد انتهت، بل حتى توقفت فهو واهم؛ المقاومة وتشرين منهج واحد وطريق للتحرر من المحتل واستعادة سيادة العراق المقاومة وتشرين هو طراز من الحركات الشعبية الكبرى التي لا تقاس نتائجها بالتغييرات الآنية فحسب. إن روح هؤلاء ومبادئهم والخشية منها قد تغلغلت عميقاً داخل العملية السياسية بعد أن باتت مثلاً حياً أمام العراقيين على قدرة الشعب على التغيير.