بقلم| نور العبيدي (كاتبة وصحفية عراقية)
جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية هي اعتداءات مقيتة وخطيرة تستهدف الروح الإنسانية وإذلالها وتصفيتها جسيماً ومعنويا ولا تتوقف عند هذا الحد بل آثارها كارثية على المجتمع والدولة، وهي جرائم مستمر تحدث في غالب الدول المضطهدة والمحتلة، ومنها العراق الذي تعرض إلى حملات إبادات جماعية على أسُس عرقية ومذهبية ودينية حتى أصبحت المقابر الجماعية في العراق ظاهرة وحشية أخلت ببنية المجتمع العراقي وأمنه، ومع أن العراق موقع ومصادق على العديد من اتفاقيات القانون الدولي الإنساني إلا أن حكومات ما بعد الاحتلال 2003 متواطئة مع مرتكبي هذه الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب العراقي وأبنائه وهو ما يستلزم محاسبة دولية للحكومات في العراق بعد 2003، إلا أن النظام الدولي هو الآخر يتغافل عن هذه الجرائم بل هو إلى التغطية على هذه الجرائم أقرب، وبدأ هذا التواطؤ في أوائل 2004 عندما ذاعت فضيحة (أبو غريب) والانتهاكات الجسدية والنفسية والجنسية والتعذيب بالكهرباء الذي تعرض له السجناء العراقيين في سجن (أبو غريب) الذي تديره قوات الاحتلال الأمريكي، فأين منظمات حقوق الإنسان الدولية التي غضت بصرها عن هذه الجرائم؛ ثم تبع هذه الجريمة الاعتداءات والانتهاكات المستمرة للحكومات في العراق وميليشياتها التي مارست أبشع أساليب القتل والتهجير القسري ضد مدن وقرى عراقية متعددة ما زال مئات الآلاف من سكانها مشردون في الصحراء بلا مأوى أو رعاية حكومية بل إن الحكومات تسعى في زيادة معاناتهم ولا تسمح بعودتهم إلى مدنهم وممتلكاتهم مثل ناحية جرف الصخر في بابل وقرى نهر الإمام في ديالى وغيرها، وهو ما يدل على التواطؤ الحكومي مع الميليشيات الإرهابية الولائية في جريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري
وما يُثير التساؤل وبصورة ملحة لماذا الجرائم تحدث في أماكن تواجد الميليشيات الولائية؛ فمثلاً حادثة قاعدة (سبايكر) تصنف بـ الإبادة الجماعية؛ حدثت لطلاب وعناصر من القوة الجوية في الجيش فرقه (18) والمكلفين بحماية أنبوب نفط الرابط بين مصفى بيجي وحقول عين الجحش في الموصل، وارتكبها تنظيم "داعش" الذي يسيطر على هذه المناطق بعد انسحابات الجيش التي وصفت بالمدبرة من نوري المالكي، وما يثير الريِبة أكثر هو بعد استلام ذوي الضحايا رفات أبنائهم لم تعط لهم أي حقوق ولم يتقدم المسؤولون والمتورطون الحقيقيون بهذه الجريمة للمحاكمة
وقد عثر على عشرات المقابر الجماعية في الفلوجة وصلاح الدين والموصل وبابل إلا أن الحكومات تتنصل عن فتح تحقيق في هذه الجرائم؛ وهو ما يثبت تواطؤها مع المجرمين، وقد أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة تقريراً أكد فيه بعد سيطرة "داعش" على الأنبار وصلاح الدين والتأميم والموصل؛ جرت معارك طاحنه سميت وقتها بعملية التحرير على يد ميليشيا الحشد الشعبي التي تتكون من ميليشيا حزب الله وعصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي ومنظمة بدر وقوات الصدر وغيرها وهي مجموعات إرهابية ممولة إيرانيا، وما سميت بعمليات التحرير هي كانت عمليات جحيم على المحافظات المنكوبة.
فقد وجد أبناء هذه المناطق أنفسهم في متاهة سواء من بقي منهم داخل مناطقهم أو من حاول الهرب إلى خارجها فعمليات القصف بالطائرات والمدفعيّة الثقيلة والراجمات الحكومية والميليشياوية تصب حممها على المساكن مخلفةً عشرات القتلى والجرحى وتاركةً تدميراً هائلاً لبيوت المواطنين ومحلاّتهم والمؤسسات الصحيّة.
امّا الهاربين إلى خارج مناطقهم فقد استقبلتهم ميليشيا الحشد الشعبي والقوات الأمنيّة بالإهانات ومارست شتّى أنواع التعذيب ضدهم وأكثرها قساوة ووحشيّة حارمةً واعتقلت الآلاف منهم الذين تم إعدامهم ميدانيا ومثلت بجثثهم متفاخرة بذلك وموثقة هذه المشاهد بمقاطع فيديوية سواء بالحرق أو تقطيع الأجساد أو تمزيقها بعد ربطها بالسيارات، ومنهم من دفنتهم أحياء، بهذه البساطة والبشاعة استقبلوا الأبرياء من المدنيين الهاربين من جحيم المعارك والقصف الجوّي الذي لم يراع صغيراً أو كبيراً رجلاً أو امرأةً. ويؤكد مركز جنيف الدولي للعدالة بأنه يتلقى يومياً عشرات الاتصالات والرسائل لأقارب الضحايا أو ممن كان معتقلا لدى الميليشيات تصف حالاتهم المزرية ومعاناتهم المستمرة والانتهاكات الجسيمة بحقهم التي ترتكبها الميليشيات والقوات الحكوميّة ضدهم، هذا فضلا عن الشهادات التي تنشر على مواقع التواصل أو في المحطّات التلفزيونية التي تؤكد تلك الجرائم وتوثقها، ويؤكد مركز جنيف على مطالبته بفتح تحقيقٍ دولي بالمجازر التي ارتكبت في مدن الفلوجة الصقلاوية والكرمة وغيرها والإبادات الجماعية الأخرى إلا أن العدالة إلى يومنا هذا غائبة، فمجزرة الحويجة وجامع مصعب بن عمير في ديالى وإعدام عشرات السجناء ومجزرة جبلة ومجزرة جسر الزيتون وقمع احتجاجات البصرة سنة 2018 على يد جميل الشمري كلها أغلقت ملفاتها ولم يقدم الجناة إلى العدالة، وآخر هذه الجرائم جريمة جسر ديالى بالقرب من مفاعل تموز النووي للطاقة الذرية سابقاً فمع أنها مؤسسة حكومية لكنها كانت مكانا لمقبرة جماعية لمدنين مغدورين تم إعدامهم رمياً بالرصاص من قبل عناصر تعمل في الأجهزة الأمنية؛ الجاني في العراق لا يحاكم بل مرخص له أن يعبث بـ أرواح العراقيين كأنهم أعواد ثقاب متى ما أرادو أشعلوا النار فيها حتى تحترق، وما خفي كان أعظم ..!