بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)
مقالي اليوم القليل والقلة ممن يتطرقون إليه في كتاباتهم بالرغم من أنه مهم جدا ألا وهو ظاهرة كثرة العطل الرسمية في العراق فهذا الموضوع له أهمية كبيرة لدى أبناء العراق بالنظر للسلبيات التي يسببها وأحيانا تصل لدرجة الخطورة؛ حيث بسببه تشلّ الحياة العامة ولا سيما ما يخصّ تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين، وما يتعلق بالتربية والتعليم، وما يلحق ذلك من أضرار اقتصادية وعامة، لتأتي المجاملات السياسية وتدخل الأحزاب في مقدمة الأسباب التي تمنع تشريع قانون يُقلّص أيام العطل، رغم المحاولات المتعددة للبعض لكن دون جدوى
وكان العراقيون قبل عام 2003 يحصلون على يوم واحد أسبوعيا عطلة رسمية، بالإضافة إلى العطل الرسمية الأخرى الخاصة بالأعياد الوطنية والدينية.
ومنح القانون العراقي حكومات المحافظات المحلية الحق في إعلان يوم عطلة لسكان المحافظة دون غيرها بحسب ما تقتضي الحاجة، وبات ذلك يتكرر بين شهر وآخر في محافظات عدة ولأسباب مختلفة، ولا سيما في المناسبات الدينية.
وها هي حكومة الإطار يوم أمس ابتدعت يوما جديدا لتعلنه عطلة رسمية؛ وهو ذكرى مقتل قاسم سليماني الإيراني
التقارير والإحصائيات الرسمية وغير الرسمية تشير إلى أن العراقيين يتمتعون بنحو 150 يومًا من العطل الرسمية سنويًّا، حيث يكون أكثر من 30% من هذه العطل لمناسبات دينية مختلفة ومتعدّدة لكل الطوائف التي تضاعفت عطلها كثيرًا بعد الغزو الأميركي عام 2003.
هذا العدد الهائل في العطل الرسمية يُصيب المؤسسات الحكومية والتعليمية بالشلل، حيث تُعاني المدارس من عدم قدرتها على إكمال المناهج الدراسية، كما أن ما يتلقاه الطلاب خلال العام الدراسي ضئيل وغير كافٍ لتطوير مهاراتهم.
يكشف موضوع العطل الرسمية والدينية بشكل فاضح تعامل القوى السياسية التي تتصدر المشهد السياسي مع القوانين والأنظمة حتى وصل الأمر إلى الدستور الذي صاغته تلك القوى في غفلة من الزمن العراقي الذي كان ينساب من بين أيدي العراقيين منذ لحظات الغزو الأولى. فمواد الدستور مقدَّسة وملزمة ما دامت تلبّي طموحات بعض هذه القوى، وتتجرد عن قدسيتها وإلزامها حين تتعارض مع تلك المصالح
وعلى الرغم من أن الدستور العراقي لسنة 2005 قد حدّد العطل الرسمية باثنتي عشرة عطلة، إضافة إلى يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع، وهي أعياد رأس السنة والجيش والنوروز والعمال والاستقلال وعيدا الفطر والأضحى.
لكن حكومة الإطار تجعل يوم مقتل الإيراني قاسم سليماني عطلة رسمية في العراق حتى تنظم مسيرات داخل العراق بهذه الذكرى وتشرف على تنظيمها القيادات الإطارية من خلال عناصرها التي استخدمت منهم 40 ألف عنصر للتظاهر قرب المطار وامام السفارة الأمريكية
في محاولة يائسة لإيهام العالم بأن المتظاهرين من الشعب العراقي الناقم ابتداءً على هذه الميليشيات والإطار التنسيقي الذي جر البلاد لخدمة مصالح إيران
وأيضا في محاولة يائسة للانتقام من واشنطن التي نفذت العملية، والهدف المعلن هو الثأر لسليماني ورفاقه، ولكن هل ستثأر بالصواريخ التي كانت تسقط على رؤوس العراقيين الأبرياء وعلى مطار بغداد المدني! أم أنها مجرد صرخة في الهواء،
أم أن الهدف الحقيقي هو حرف الأنظار عن الاحتجاجات والانشقاقات الداخلية وتعثر مفاوضات الاتفاق النووي الميت مع البيت الأبيض..
وتأتي خطوة الإطار عكس توجهات الاحتجاجات التي يقودها الشعب الإيراني حيث أشعل المتظاهرون مساء الجمعة النار في لافتتين لصور المقتول قاسم سليماني قائد فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني.
لقد أعطت إيران لميليشياتها في العراق الضوء الأخضر لجعل العراق مرة أخرى ساحة لصراعاتها ومصالحها بعد هذا التصعيد..