الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الكاظمي.. بين واشنطن والبصرة


جهاد بشير

بعدما أنهى الكاظمي زيارته لواشنطن، عاد إلى البصرة مسرعًا بالتزامن تفشي موجة جديدة من جرائم اغتيال الناشطين وروّاد حركة الاحتجاج المناهضة للنظام السياسي ومكوّناته الحزبية، وسياسة حكومة بغداد التي عجزت عن الإيفاء بتعهداتها في محاربة الفساد وإدانة المتورطين به.

حاول رئيس الحكومة أن يبدو عمليًا لكنه لم يتسم بالجرأة اللازمة لتحقيق ذلك لأسباب كثيرة، فالطريقة التي يتحرك بها لا يمكن أن تكون خارجة عن محددات المنظومة القائمة على أسس الطائفة الحصص، فضلاً عن قوّة الميليشيات وسطوتها، وتهديد الأحزاب المرتبطة بها.

مخرجات اللقاءات وقضايا والملفات التي نوقشت في الولايات المتحدة؛ بقيت مغيّبة ومحصّنة عن التداول الإعلامي، إلا أن الميليشيات وإيران وما في فلكهما كان محورًا أساسيًا في معادلة واشنطن بحجة توفير مزيد من الدعم لحكومة بغداد، ومنحها كمًّا من الصلاحيات الظاهرية التي يبدو أن البيت الأبيض يريدها بمثابة أداة أخرى في مناكفاته مع طهران، ولكن هذه المرة بنسق مغاير.

ومن قبل كانت طهران تحاول اتخاذ خطوة سابقة قبل رجوع الكاظمي بهدف تعقيد المشهد أكثر من عقدته الحالية، وخلط الأوراق بأسلوب أكثر عشوائية؛ حينما صعّدت الميليشيات عمليات الاغتيالات والاستهدافات الممنهجة تجاه الناشطين، في غاية مرجوّة لتعميق أزمة الملف الأمني؛ حتى بدا السيناريو معلوم سلفًا لدى جميع الأطراف، ولاسيما حينما كانت طلبات الولايات المتحدة ـ المعلنة ـ لا تخرج عن هذا الإطار: كبح جماح الميليشيات، وترجيح كفة ميل بغداد إلى واشنطن على حساب طهران.

الحقيقة؛ أن مطالب من هذا النوع حينما تصدر عن الولايات المتحدة؛ فإن لا تعدو أكثر من كونها تكتيكًا يُراد منه كسب الجولة ضمن مرحلة الصراع في وضعه الحالي، فالمليشيات نفسها كانت وما تزال الابن المدلل للتحالف الدولي الذي أمّن لها الغطاء الجوي، والدعم اللوجستي، وغض طرفه حد العمى عن انتهاكاتها وممارساتها الطائفية تجاه مدن العراق المدمّرة وأهلها المشردين.. وحتى الأمس القريب يواصل التحالف الذي تقوده واشنطن استهداف مناطق وسط وشمالي العراق بقصف جوي بحجة استهداف “الإرهاب” بعدما تدّعي المليليشيات وأجهزة الأمن الحكومية أنها عاجزة عن تأمينها!

وحتى يبدو الكاظمي في نظر العراقيين “قويًا” نصحته أميركا بالميل إليها أكثر من اتكائه على إيران، فمهدت له سبلاً يظهر فيها نجمًا مخلّصًا، يمكنه أن يحقق للبلاد ما تصبو إليه، فجاءت فكرة “‘إعادة الانتشار” وتسليم قواعد عسكرية تتمركز فيها قوات أميركية لوزارة دفاع حكومة بغداد، في مشهد تمثيلي أجرته سابقًا مع أسلافه أكثر من مرّة بهدف إظهار “رئيس الوزراء” كفوءًا، لحين انقضاء المرحلة، قبل أن تقلب عليه رأس المجن.

تشير تقارير ميدانية في العراق؛ إلى أن حركة “إعادة الانتشار” لا تقتضي سحب القوّات الأمريكية أو جدولة ذلك، بل هو مجرد انتقال من مناطق ومعسكرات تجد الولايات المتحدة خطرًا على قوّاتها فيها، علاوة على كسب جولة لإسكات صخب الميليشيات وتقليل فرص استهداف القواعد على إيران، وليس ذلك كلّه إلا في سياق إعادة برمجة قواعد اللعبة، والتهيؤ لصياغة أنماط جديدة من سياسة التخادم تكون حصة واشنطن من المصالح التي تنتج عنها أعلى بكثير من شريكتها التي بات واجبًا عليها الرضا بالحدود الدنيا والأطر الضيقة وإلا يُتجه بها نحو انتهاء الصلاحية.

لا يستطيع الكاظمي أن يقول “لا” للولايات المتحدة، ولا يمكنه الخروج كليًا من عباءة إيران، لذلك يبقى استمراره من عدمه مرهونًا بالتفاهمات والتوازنات بينهما، وإمكانية توصلها لأرضية سياسية واقتصادية واستراتيجية شبه مشتركة تكون واشنطن متسيدة فيها ومتحكمة.. وفي أثناء ذلك، لن يكون في المشهد السياسي العراقي من حديث سوى عن “الاستحقاقات” بين أحزاب العملية السياسية وما يتعلق بذلك من صراعات تنعكس ميدانيًا واقتصاديًا، أما الإنجازات الحكومية والإصلاحات وما هو مأمول في أذهان من صدّقوا بأن الكاظمي مختلف عمّن سبقه؛ فلن تخرج عن دائرة الفشل.

مقالات متعلقة