الفلوجة: تراث.. حضارة.. مقاومة..
مدينة الفلوجة العراقية: المدينة التي فتحها خالد بن الوليد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 12هـ /633م، تقع الفلوجة على ضفاف نهر الفرات وغرب العاصمة بغداد وتبعد عنها 60 كلم، وأعطى موقعها على الطريق السريع وقربها من العاصمة أهمية كبيرا جدا من الناحية التجارية، فضلا عن وجود منطقة صناعية فيها، وتعددت النظريات حول التسمية إلا أن الغالب يرجح المعنى اللغوي القائل بأنها تعني الأرض الصالحة للزراعة لأن تربتها تتفلج عندما ينزل المطر عليها.
لقبت المدينة بـ "أم المساجد" وذلك لكثرة المساجد فيها التي تتعدى الـ 220 مسجدا. من أشهرها (الجامع الكبير) الذي أُنشئ عام 1899م، وجامع الخلفاء، وجامع أبي بكر، وجامع عمر بن الخطاب، وجامع عثمان بن عفان، وجامع علي بن أبي طالب، وغيرها الكثير من المساجد.
دورها في مقاومة الاحتلال على مر العصور:
عندما احتلت بريطانيا العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى وفصلت العراق عن حكم الدولة العثمانية، ووضعت العراق تحت سيطرتها وفرضت انتدابها عليه عام 1941م وفي عام 1947حاولت القوات البريطانية دخول الفلوجة لتأديب المقاومة ضد المحتل؛ إلا أنها لم تتمكن من ذلك لأنها واجهت دفاعا مستبسلا وشرسا من أهلها، فلجأت بريطانيا إلى أبناء الأقليات في حينها، وسلطتهم لإيذاء الأهالي.
وقد سجَّل شاعر العراق "معروف الرصافي" هذه الأحداث مصورًا كبرياء وعزة أهل الفلوجة في قصيدة بعنوان: "يوم الفلوجة": يقول الرصافي فيها:
أيــهـا "الإنـكـلـيز" لـــن نـتـناسى *** بـغـيكم فـي مـساكن "الـفلوجة"
ذاك بــغـي لـــن يـشـفيَ اللهُ إلا *** بـالـمـواضي؛ جـريـحة وشـجـيجة
هـــو كــرب تـأبـى الـحـميمة أنَّــا *** بـسـوى الـسيفِ نـبتغي تـفريجه
هو خطب أبكى "العراقين" والشا *** م، وركــــنَ الـبِـنْـيـةِ الـمـحـجوجة
حـلَّـها جـيـشكم يـريد انـتقاماً *** وهـو مـغرٍ بـالساكنين عـلوجه
يـوم عـاثت ذئاب "آشور" فيها *** عيشة تحمل الشنار سميجه
فاستهنتم بالمسلمين شفاها *** واتـخـذتم مــن الـيهود ولـيجه
وأدرتـم فيها على العزَّلِ كأساً *** مـن دمـاء بـالغدر كانت مزيجه
واسـتـبحتم أمـوالـها وقـطعتم *** بـين أهـل الـديار كـل وشيجة
أفــــهـــذا تــــمـــدن، وعــــــلاء *** شـعـبكم يـدَّعـي إلـيـه عـروجـه
أم سـكـرتم لـمـا غـلـبتم بـحـربٍ *** لــم تـكـن فـي انـبعاثها بـنضيجه
قــد نـتـجنا لـقـوحها مــن خـداج *** فـلـذاك انـتـهت بـسـوء الـنـتيجه
هـل نـسيتم جـيشاً لكم مبذعراً *** شـهـدت جـبنه سـواحل "إيـجه"
وهــوى بـانهزامه حـصن "اقـريط" *** وأمسى قذى على "عين فيجه"
ســــوف يــنــأى بـخـزيـه وبــعـار *** عــن بــلاد تـريـد مـنـها خـروجـه
ويتوعَّد الرصافي المحتلين بالخزي والعار والهزيمة أمام بسالة العراقيين وإصرارهم على المقاومة فيقول:
وطــنٌ عـشـتُ فـيـه غـيـر سـعيد *** عيش حر يأبى على الدهر عوجه
أتــمـنـى لــــه الــسـعـادة لــكـن *** لــيـس لــي فـيـه نـاقـة مـنـتوجه
أخــضــب الله أرضـــه ولـــو أنـــي *** لــسـت أرعــى ريـاضـه ومـروجـه
كــــــل يـــــوم بـــعــزة أتــغــنـى *** جــاعــلاً ذكــــر عــــزه أهــزوجـه
مـــا حــيـاة الإنــسـان بــالـذل إلا *** مـــرة عــنـد خـشـوها مـمـجوجه
فــثــنـاء "لــلـرافـديـن" وشـــكــراً *** وســلامــاً عـلـيـك يـــا "فـلـوجـه"
وشهدت المدينة العديد من الحركات السياسية على مر التاريخ، كما انتجت الكثير من القيادات في الجيش العراقي.
وكأنَّ التاريخ قد أكمل دورته بعد عشرات السنين؛ فعادت قوات بريطانيا متحالفة مع أمريكا لاحتلال العراق، لكن قوات بريطانيا قد وعت الدرس واكتفت بجنوب العراق، تاركة قوات الاحتلال الأمريكي يقودها الغرور لمصيرها المشؤوم في مواجهات دامية مع مجاهدي الفلوجة الأبطال في وسط العراق. بينما صمود أبناء الفلوجة في مواجهة أعتى قوة على سطح الأرض، أمر يشبه المعجزة، فالحرب صارت بين أمريكا العظمى والفلوجة!، مثلما كانت قبل قرن بين بريطانيا العظمى والفلوجة. وما ضر لو استبدلنا كلمة "الأمريكان" بكلمة "الإنكليز" التي وردت في مطلع القصيدة، فلن يختلف السياق كثيرا،.. وما أشبه اليوم بالبارحة!
ففي عام 2003 دخل الاحتلال الغاشم إلى العراق وعمت فوضى عارمة في البلاد منها السلب والنهب وأكثرها في العاصمة بغداد، إلا أن مدينة الفلوجة من المدن التي بقيت هادئة وهذا دليل على رقي مجتمعها وتحضرهم وحرصهم على سلامة الممتلكات العامة في المدينة، ودخل الاحتلال الأمريكي مدينة الفلوجة وسيطر على دوائر الدولة والمدارس واتخذ منها قواعد له، فتبع هذا التصرف تظاهرة ضد الاحتلال أمام إحدى المدارس التي اتخذها جيش الاحتلال قاعدة عسكرية لهم، راح ضحيتها حوالي 50 شخصا ما بين شهيد وجريح، وقد كانت هذه الشرارة الأولى التي أدت إلى انفجار المقاومة العراقي ضد الاحتلال الأمريكي، حيث تم إطلاق ستة قذائف على مواقع قوات الاحتلال وقتل فيها 3 جنود وأصيب 4 آخرين، وبعدها شهدت هذه المدينة العديد من عمليات المقاومة ضد الاحتلال والتي كان أشهرها معركة الفلوجة الأولى بعد أن حاول جيش الاحتلال الأمريكي الدخول عنوة إلى المدينة فرفض أهلها ومنعوا قوات الاحتلال من الدخول فنشبت معركة الفلوجة الأولى في نيسان عام 2004، وقد كان النصر حليف المقاومة العراقية في مدينة الفلوجة وتكبدت قوات الاحتلال خسائر كبيرة وجسيمة جعلت الرئيس الأمريكي آنذاك (جورج بوش الأبن) يصرح قائلا "لقد واجهت قواتنا أسبوعا قاسيا.. وأنا أصلي كل يوم من أجل أن تتراجع الخسائر"، إن تصريح رئيس أقوى دولة في العالم بضعفه وانكساره يدل على قوة المقاومة العراقية عامة وقوة مقاومة مدينة الفلوجة خاصة، وهو ما جعل "بوش الابن" بالتفكير بالانسحاب من العراق لتفادي الخسائر القادمة، تبعها مباشرة معركة الفلوجة الثانية في شهر تشرين الثاني من نفس العام بعد أن أعدت القوات الأمريكية لهذه المعركة استعدادا كاملا وشارك أكثر من 15 ألف جندي بمساعدة الجيش البريطاني وقوات عراقية، وبدأت المعركة الثانية بالهجوم المكثف ضد المقاومة العراقية في الفلوجة واستخدمت قوات الاحتلال خلالها أسلحة كيماوية وأسلحة دمار محرمة دوليا، أصابت العديد من المدنيين في الفلوجة، بالإضافة إلى القصف العشوائي الذي تسبب باستشهاد العديد من العوائل الآمنة في بيوتها وبرواية أحد الأطباء العراقيين في الفلوجة أن 90% من الشهداء كان سبب قتلهم الاختناق بالكيماوي والفسفور، وأضاف لولا استخدام قوات الاحتلال للأسلحة المحرمة لم يتمكنوا من دخول المدينة نهائيا، إلا أنهم باستخدامهم للأسلحة الكيماوية المحرمة وقتلهم للمدنيين بالقصف العشوائي لما استطاعوا أن يدخلوا الفلوجة، ولكن المقاومة العراقية لم تصمت عن وجود قوات الاحتلال في المدينة وقامت بالعديد من العمليات ضد قوات الاحتلال تسببت لهم بخسائر فادحة واستمرت هذه العمليات لسنوات طويلة.
شارك أهالي مدينة الفلوجة في الاعتصامات التي خرجت من أجل نيل الحقوق وكف الأذى عنهم عام 2011، كما أنهم ساندوا ثوار تشرين من خلال الدعم اللوجستي ومشاركتهم داخل ساحات التظاهر في بغداد باعتبارها الأقرب إليهم.
إن الحديث عن مدينة الفلوجة لا يقتصر عند مقالة أو تقرير فهذه المدينة العظيمة لها تاريخ عريق وطويل مليء بالأحداث التي يفتخر فيها العراقيون بصورة عامة وأهل الفلوجة بصورة خاصة، وتجدر الإشارة إلى أن الأسلحة الكيماوية تسببت بإعاقة الكثير من المولودين بعد معركة الفلوجة وما زال إلى يومنا هذا تأثير هذه المواد على الكثير من المدنيين.