الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الغزو الخارجي للقطاع المصرفي العراقي - انعكاساته ومخاطره

بقلم. عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)

منذ الاجتياح الأمريكي للعراق برز على الساحة المصرفية العراقية مجموعة كبيرة من المصارف الخاصة التي تديرها الميليشيات والأحزاب ودول خارجية التي إما افتتحت فروعا لمصارفها في العراق أو استحوذت على مصارف خاصة عراقية بتواطؤ من نوري المالكي الذي يعد العراب الأول لرهن القطاع المصرفي العراقي للخارج واستخدامه كأداة لاستنزاف العملة الصعبة ومحطة لغسيل الأموال في الوقت الذي يعاني فيه العراق من انحسار الدولار وتفاقم النشاطات الإرهابية التي تمول من قبل مصارف خاصة خرقت قانون غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وأضحت واجهات رسمية لميليشيات مسلحة داخل العراق وخارجه, ومن يتتبع بنك عودة اللبناني التابع لميليشيا حزب الله اللبناني ومن اشترى أفرعه في العراق يجد أن هذا المصرف وملاكه يمارسون غسيل الأموال وتهريب الدولار وإدارة حسابات مصرفية لصالح حزب الله, فضلا عن مصارف أخرى تابعة للحرس الثوري الإيراني والكويت وقطر والأردن وتركيا والامارات, كل هذه الدكاكين تعتاش على نهب الأموال العراقية وتمويل الميليشيات المسلحة لكي توفر غطاء أمنيا لها.

إن تعدد اللاعبين المصرفيين الخارجين في العراق جعل من القطاع المصرفي العراقي أسيرا يتحكم به الغزاة الخارجيين الذين استغلوا غياب القانون والسيادة وتواطؤ الحاكمين في العراق لاستخدام القطاع المصرفي بتنشيط اقتصاداتهم وتحقيق توازن في سعر صرف عملاتهم, وإن أخطر محطة تستخدمها المصارف الخاصة المرهونة للخارج هي الأردن التي تحول لها مليارات الدولارات سنويا تحت مسميات حوالات بنكية وعندما تصل إلى الأردن تتوزع هذه الأموال صوب دول أخرى لتذهب نحو أنشطة تستفاد بجزء منها الأردن والأجزاء الأخرى يستفاد منها حزب الله اللبناني والحرس الثوري وشخصيات عراقية متهمة بتمويل الإرهاب التي وفرت لها الأردن من خلال أدواتها الفاعلة بالقطاع المصرفي العراقي محطة لتمرير هذه الأموال التي تصل إلى بنوك وشركات صرافة في عمان ثم تتفرق نحو وجهاتها المحددة مسبقا, وفي عام 2015 تم الكشف عن قيام حمد الموسوي المالك الشكلي لمصرف الهدى الإسلامي التابع للحرس الثوري الإيراني والشريك المساهم في المصرف الأهلي العراقي بتحويلة مبالغ تقدر (5 مليار دولار) عبر ثلاثة شركات تابعة له وصلت الأموال إلى الأردن وبالتحديد بنك الإسكان بين أعوام (2013, 2014, 2015) ثم تتفرق من هناك صوب حسابات تدعم الميليشيات وحرس الثوري الإيراني.

إن عملية رهن القطاع المصرف العراقي لصالح الغزاة الخارجيين ساهم في تنمية العمل الإرهابي في العراق الذي يمول من قبل المصارف وشركات الصرافة التابعة لها والتي سبق للاتحاد الأوروبي عام 2016 أن صنف العراق من ضمن البلدان الأكثر خطورة في عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وكذلك وزارة الخزانة الأمريكية التي صنف شركات صرافة ومصارف ضمن القوائم السوداء لغسيل الأموال, وجاء هذا التصنيف للعراق بسبب الغزو الخارجي للقطاع المصرفي الذين جعلوا من العراق بؤرة لغسيل الأموال ونهب الدولار من خلال نافذة بيع العملة التي فتحت شهية هذه الدول على التسابق والاستحواذ على المصارف من أجل نهب الدولار وادخاله لبلدانهم وتحقيق الفوائد الأكبر لهم, إذ أن كثير من هذه الدول رفعت من احتياطيها من الدولار من خلال استخدام مصارفها في العراق التي تدخل لنافذة بيع العملة لتستحوذ على جزء ليس بالقليل من الدولار, وكذلك استخدام الحوالات الوهمية التي ترسل بحجة الاستيراد وتخرج من العراق ولا يعود مقابلها أي بضاعة.

إن غزو الخارجي للقطاع المصرفي العراقي لم يكتفي بالقيام بأنشطة غير قانونية وتعريض العراق لخطر العقوبات الدولية وإيقاع العراق بخطر الإرهاب الذي ينهش بالحم العراقيين, بل امتد هذا الخطر ليصل إلى تحكم في البنك المركزي العراقي وفرض نفوذهم وسطوتهم من خلال شراء ذمم بعض المتنفذين الذين يعملون داخل البنك المركزي وخانوا هذه الأمانة مقابل العمالة للخارج من خلال تسهيل عمليات غير قانونية لصالح المصارف المملوكة للغزو الخارجي أو أفرع بنوك الغزو الخارجي, إذ سبق وتم الكشف عن كثير من عمليات التلاعب لصالح أنشطة مالية ومصرفية تابعة للغزو الخارجي لكن لم تعالج هذه الحالات الإجرامية, بل استمرت بالتصاعد حتى أصبح البنك المركزي العراقي حاضنة الدكاكين وبؤرة التآمر المالي والمصرفي على العراق والذي تسبب في الكثير من المشكلات للعراق أبرزها مشكلة سعر الصرف التي نعاني منها الآن.

لقد تعاظمت المخاطر التي تحيق بالقطاع المالي والمصرفي العراقي بسبب الغزو الخارجي للقطاع المصرفي والذي جعله عبارة عن دكاكين تمارس أنشطة مصرفية بدائية في ظل غياب المنتجات والخدمات المصرفية الحقيقية وأصبح عمل المصارف مقتصر على أنشطة غير قانونية وتعظيم الأرباح بطرق احتيالية لها انعكاسات سلبية على القطاع المصرفي الآخذ بالانحدار التدريجي صوب الانهيار في ظل انعدام ثقة المواطن بالمصارف التي تستغل ودائع المواطنين في أعمال غير مشروعة تحقق لها الربح الكبير وتعرض المودع للخسائر وفي أحسن الأحوال تعطيه فتات من الأرباح, لقد تفاقم الوضع المالي والمصرفي وتعاظمت مشكلاته التي أصبح من الصعب حلحلتها في ظرف سريع وهو ما ينبأ بدنوا موعد انهيار القطاع المصرفي الذي وضع تحت المراقبة الشديدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة الأمريكية لارتباطاته الخارجية وسوء استخدام المصارف في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب الذي ينشط بشكل كبير في العراق والدول المحيطة في وقت يعيش فيه العالم اطلالة أزمة مالية عالمية والتي لم تؤثر كثيرا على القطاع المصرفي والمالي العراقي والذي أرجح انهياره عام 2025 بعوامل أخرى كبيرة سوف تدخل العراق بأزمة خانقة جداً وتآكل أموال المودعين الذين مازالوا يحتفظون بها بهذه الدكاكين.


مقالات متعلقة