الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العراقيون .. أوجاع الغربة

بقلم| أ. وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي)

يقول الشاعر أبو العتاهية:

حَتّى مَتى أَنا في حِلٍّ وَتَرحالِ وَطولِ سَعيٍ بِإِدبارٍ وَإِقبالِ

أُنازِعُ الدَهرَ ما أَنفُكَ مُغتَرِبًا عَنِ الأَحِبَّةِ لا يَدرونَ ما حالي

النزوح والهجرة أبرز ظاهرة صاحبت الاحتلال الأميركي للعراق منذ العام 2003، وكلما أمعن المحتل في إيذاء الناس نفسيا وجسديا، كلما ازدادت أعداد المغادرين لأرض الرافدين، وعلى الطرف الآخر لابد من الإشارة إلى حقيقة أن إساءات المحتل الأميركي زادت من أفواج المقاومين، وهكذا يكون الشعب العراقي في ظل الاحتلال، هناك من تضطره الظروف للرحيل، وثمة من يقبل بالظلم والحيف وكل حسب قناعاته وظروفه، وهناك من يردع المحتل وأعوانه بقتالهم بالسلاح وبمختلف أنواعه وبالموقف والكلمة والرفض الشامل لمشاريعه، وهكذا أصبح حال الشعب العراقي، ومثلما بدأ المقاومون بضرب المحتل و قتل جنوده منذ اليوم الأول للاحتلال في العاشر من نيسان – أبريل 2003، فقد سارع البعض للالتحاق بالمؤسسات التي أنشاها الغزاة أو أشرفوا عليها، وغادر البعض هاربًا من جحيم الاحتلال وممارساته وجرائمه بحق العراقيين.

لكن اللافت، والذي يجب التوقف عنده أن ظاهرة النزوح والهجرة قد أخذت بالازدياد مع "تغول" الأحزاب التي نصبها الاحتلال، ولهذا نلاحظ أن السنة الأولى من عمر الاحتلال لم تشهد ظاهرة هجرة واسعة خارج العراق، ونعيد ذلك لبروز أعظم ظاهرة في البلد وهي المقاومة العراقية التي كانت تلحق الأذى اليومي بالمحتلين من خلال هجمات كثيرة وصلت حسب اعتراف البنتاجون إلى 25 هجومًا في اليوم الواحد، وجاء الاعتراف في منتصف تموز – يوليو 2003.

وأول ظاهرة نزوح داخلي كانت في شهر نيسان – أبريل في العام 2004، وذلك بعد قرار القوات الأميركية المحتلة بالهجوم على مدينة الفلوجة بمساعدة القوات الحكومية في عهد إياد علاوي، حيث اضطرت أعداد كبيرة جدًا من الفلوجيين إلى النزوح واستقبلهم العراقيون في كل مكان وتحديدا في العاصمة بغداد، وعندما فشلت أميركا في دخول الفلوجة واستعدت لتدمير الفلوجة بعد هزيمتها بستة أشهر تقريبًا – نوفمبر – تشرين ثاني 2004، حدثت اوسع عملية نزوح داخلي فقد قررت الغالبية العظمى من أبناء المدينة مغادرها، لمعرفتهم بحجم الإجرام الأميركي والحكومي، وفعلا دمر القصف الجوي والمدفعي المدينة واستخدموا في تلك الحرب العدوانية الفسفور الأبيض.

وبعد أن دعم المحتل الأميركي السلطات في العام 2005 وبهدف إثارة الفتنة والرد على المقاومين، فقد تم توجيه فرق الموت التابعة لمغاوير الداخلية وفرق موت أخرى لشن أوسع عمليات القتل والاعتقال ضد الكثير من المناطق، وبرزت ظاهرة تثقيب الرؤوس بـ "الدريل" ونتيجة لتلك البشاعات ازدادت ظاهرة النزوح الداخلي والهجرة الخارجية، وعندما تقرر تنفيذ مؤامرة تفجير القبة الذهبية في سامراء (22- شباط- 2006) واندفعت الميليشيات بإسناد ودعم تام من قوات الاحتلال برزت ظاهرة الهجرة خارج البلد في الكثير من أحياء بغداد ومدن العراق.

وتوزع النازحون بين مناطق أخرى خارج بغداد وذهب الكثيرون إلى إقليم كوردستان العراق، أما الهجرة فقد توزعت بين سوريا حيث ذهب العدد الأكبر وبعد ذلك الأردن ثم مصر ولبنان والدول الأوربية.

وجاء أوسع وأخطر تهجير بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على ما يقرب من نصف العراق منذ بداية العام 2014، وبعد شروع القوات الأميركية والدولية في دعم القوات الحكومية والميليشيات وعلى أوسع نطاق، بدأت الأخيرة في عمليات تهجير واعتقال وتغييب وعلى أوسع نطاق، ونزح الملايين وهاجر مئات الآلاف من الكثير من المناطق، وتكفلت الميليشيات بعمليات الاعتقال والتغييب والقتل والتعذيب وبتعاون كامل مع القوات الأميركية والدولية.

لقد تم منع الأهالي في مناطق عديدة من العودة إلى ديارهم وأبرز الأمثلة على ذلك منطقة جرف الصخر جنوبي بغداد ومنعت مئات الآلاف من العوائل من العودة إلى مناطقهم، واضطروا للعيش بعيدا عن مزارعهم ومصالحهم وتوزعوا على الدول في الخارج والمخيمات في الداخل.

ومن الواضح أنه وطالما بقيت إدارة الحكم بيد الأحزاب التي جاء بها المحتل، فأن ملف النزوح والهجرة الواسعة سيبقى مفتوحًا وأن المآسي ستتوالى.

مقالات متعلقة