بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
لم يعد يخفى على أحدٍ أن العراق يمر بمنعطف مالي واقتصادي صعب جداً جراء تراكم المشكلات الكبيرة التي تولدت من غياب الرؤية الاقتصادية ووأد السياسة النقدية واضمحلال السياسة المالية بسبب الاحتلال الاقتصادي الذي تعرض له العراق وحوله لبؤرة للاقتصاد الأسود الذي كونت منه الأحزاب والميليشيات إمبراطوريات مالية واستثمارية مرعبة وضعت العراق على قمة الدول الأكثر فساداً في العالم, فضلًا عن تحويل العراق لبؤرة لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب جراء الغزو الذي تعرض له القطاع المصرفي العراقي والذي أسهم في انتشار مريب وكبير للمصارف بأعداد تفوق حاجة البلد, فضلًا عن زيادة عدد الفروع الأجنبية للمصارف يضاف لذلك تملك الدول لمجموعة من المصارف وهي بالمجمل دكاكين ارتزاق تدعي العمل المصرفي ساهمت جميعها في عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والذي شاركت دول بالاستفادة منه على رأسها (إيران و الأردن و تركيا و الإمارات ولبنان) يضاف لذلك تواطؤ متعمد من الحكومة والبنك المركزي العراقي الذي أوقع العراق بمشاكل كبيرة مع وزارة الخزانة الأمريكية وبنك الاحتياطي الفيدرالي.
فقد فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على أربعة عشر دكانا مصرفيا يضاف لها أربعة دكاكين مصرفية تمت معاقبتها سابقاً ليصبح عددها ثمانية عشر دكانا مصرفياً ممنوع من التعامل بالدولار وهو ما عقد من المشكلات المالية والاقتصادية في العراق وأدى لتراجع حاد في قيمة العملة العراقية أمام الدولار وسط غياب الدور الحقيقي للبنك المركزي الذي كان الأجدر به أن يقوم هو بمعاقبة هذه الدكاكين قبل الفيدرالي, لكن اللوبي الذي يدير البنك المركزي غض النظر وجعل البنك المركزي يتخلى عن واجبه الحقيقي مما أوقع العراق و سلطته النقدية في ورطة أمام العالم وسط اقتراب إعلان جديد بعقوبات على دكاكين مصرفية أخرى تمارس عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وهو ما يعقد موقف العراق الذي ينتظر في شهر آب تقييم جديد لإجراءات مكافحة غسيل الأموال التي نسمع عنها من الحكومة والبنك المركزي لكن في الواقع لا نراها.
إن الواقع المالي العراقي خطير جداً ليس بسبب العقوبات الأمريكية فقط, بل لعدم ثقة المواطن العراقي بالمصارف وابتعادهم عن التعامل معها؛ مما جعل الكتلة النقدية لدى البنك المركزي والمصارف محدودة جداً ولا تفي بتحقيق بنود الموازنة العامة وهو ما جعل وزارة المالية العراقية تتأخر في نشر تعليمات تنفيذ الموازنة بسبب نقص حاد في الدينار العراقي وسط توجه وقرار حكومي والبنك المركزي لطبع عملة جديدة سوف تحدث كارثة مالية جراء انهيار سوف يحدث في قيمة الدينار العراقي الذي انتهك بشكل كبير من قبل تجار العملة المتمثلين بالدكاكين المصرفية والصيرفات, علما أن أحد المصارف التي صدرت بحقه عقوبات أمريكية هو مملوك لعائلة محافظ البنك المركزي علي محسن العلاق المتهم بقضايا فساد وتدمير للقطاع المصرفي والذي يعد من أهم أدوات المالكي في تدمير السلطة النقدية والشواهد بذلك كثيرة.
العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على الدكاكين المصرفية سوف تؤدي إلى المزيد من التدمير في الاقتصاد العراقي الريعي والذي يشهد تراجعا كبيرا جداً مع صعود الاقتصاد الأسود الذي تقوده الميليشيات والأحزاب المحمي بالسلاح والدم على حساب الاقتصاد الوطني الذي يشهد انتكاسات متواترة خطيرة جراء انعدام الصناعة والزراعة والتنويع الاقتصادي واعتماده على واردات النفط وسط خسارة خزينة الدولة العراقية لأكثر من 600 مليون دولار سنوياً جراء الفرق بين سعر الصرف الحقيقي وسعر الصرف في السوق السوداء وهو استنزاف خطير لواردات النفط العراقية التي هي بالاساس تشهد تراجعا كبيرا لهذا العام, فضلًا عن قيام البنك المركزي ببيع سندات الخزينة الأمريكية بأكثر من 8 مليار دولار من أجل إمداد نافذة بيع العملة في البنك المركزي التي تبيع يومياً كميات كبيرة من الدولار لا يحتاج السوق العراقي لهذا الحجم من المبيعات, بل تذهب نحو التهريب وغسيل الأموال لدول عدة حتى وصل روسيا, وهو ما يثبت التواطؤ المتعمد من البنك المركزي في استمرار تهريب الدولار وغسيل الأموال.
وضع العراق المالي والاقتصادي صعب جداً وهذا المنعطف الخطير الذي يمر به جراء القرارات وسياسات الحاكمين المتعمدة لتدمير العراق لصالح مصالحهم الشخصية ومصالح رعاتهم الخارجيين سوف يعجل من النكسة المالية والاقتصادية الكبيرة للعراق, إذ سبق و إن تحدثنا منذ منتصف عام 2022 أن عام 2025 سيكون عام انهيار مالي واقتصادي عراقي خطير جداً جراء التعنت والتعمد الكبير من قبل الحاكمين وانحيازهم لصالح إيران وحماية مصالحها على حساب تدمير العراق وهو ما أوقع العراق في ورطة مع العالم هو في غنى عنها ليزداد العراق وشعبه فقرا وتجويع وسط انهيار في قيمة الدينار العراقي وارتفاع في التضخم وحدوث ركود اقتصادي وعقوبات متواترة على الدكاكين المصرفية و توجهات حكومية متعمدة للإجهاز على العراق مالياً واقتصادياً من أجل الحفاظ على مصالح إيران وميليشياتها والدول الأخرى التي توفر ملاذ آمن للاستثمارات الإيرانية فيها.