الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العراق بين أزمتي الدينار والدولار

بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)

يعيش العراق أزمة كبيرة في الكتلة النقدية للدينار العراقي المتوافرة في البنك المركزي والمصارف الخاصة والحكومية والتي تجلت بشكل كبير مع إقرار الموازنة العامة الاستثنائية لثلاثة أعوام، والتي لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن بسبب عدم توفر الكتلة الدينارية اللازمة لتنفيذ الموازنة العامة لعام 2023 على الرغم من مرور عدة أشهر على إقراراها والمصادقة عليها, لكنها بقيت حبرا على ورق وهو ما حذرنا منه قبل إقرارها من الحكومة سوف تواجه مشكلة كبيرة في تنفيذ هذه الموازنة الانفجارية بسبب زيادة النفقات بشكل كبيرة جدا واتساع العجز فيها لتصبح موازنة صادمة من الصعوبة تنفيذها, وقد ارتفع الإنفاق الشهري من 8 تريليون دينار إلى 16 تريليون دينار وهو رقم خيالي كبير تعجز وزارة المالية والبنك المركزي العراقي على توفيره.

إن عملية إعداد الموازنة كانت هي جزء رئيسي في خلق الأزمة وتفاقمها مع قادم الأيام مشكلة خطورة سوف تسبب في حدوث استنزاف كبير لواردات العراق النفطية, فضلا عن استنزاف احتياطي العراقي والذي رغم تحذيرنا منه في وسائل الإعلام إلا أن الحكومة لم تستمع لما نقول, يضاف لذلك الإنفاق المبالغ به للدرجات الخاصة وشركة المهندس التي شكلت عبء كبيرا على الموازنة يضاف لذلك نفقات لم تتضح أسباب وجودها وصرفها, بل تعد باب من أبواب الفساد الكبيرة التي تستنزف أموال الشعب العراقي منذ عام 2003 لتحقيق مصالح حزبية ومصالح دول أخرى, إذ أن الموازنة التي تقر هي ليس للعراق, بل يذهب جزء كبير منها لدعم ميليشيا حزب الله اللبناني وميليشيات الحوثي في اليمن ودعم ميليشيات بشار الأسد في سوريا والخلايا الميليشياوية الموالية لإيران في دول الخليج العربي ودعم الحرس الثوري الإيراني؛ مما يعني أن العراق يصرف على العديد من الدول وهو ما شكل استنزافا كبيرا وضغطا كبيرا على الموازنة وإن ما بقي من فتات الموازنة يصرف على العراق وتلاحقه الأحزاب والميليشيات بالسرقة, وإلا لو كانت جميع الموازنات تصرف على العراق لأصبح العراق من أفضل البلدان في الخدمات والتطور الصناعي والزراعي والتنموي.

وأزمة الدينار ليست هي وحدها التي تعصف بالعراق, بل يعيش العراق أزمة دولار خلقتها الدكاكين المصرفية التي تستنزف الدولار من العراق عبر السوق السوداء ليجري بعد ذلك تهريبها إلى دول عدة منها (لبنان إيران, تركيا, الأردن, الإمارات) وهو ما شكل ضغطا كبيرا تسبب في تراجع المعروض من الدولار في السوق العراقي وبالتالي تراجع قيمة الدينار العراقي أمام الدولار وهو ما يتسبب سنويا بخسارة للخزينة العامة للدولة العراقية بأكثر من 6 مليار دولار بسبب الفرق بين سعر الصرف الحقيقي وسعر الصرف بالسوق السوداء التي تسمى (بالسوق الموازي) الذي تتحكم به مافيات غسيل الأموال وتهريب الدولار عبر أدواتها المصرفية وشركات الصرافة وكذلك الأدوات الإيرانية التي تمتلك أدوات أسميتها مجسات استنزاف الدولار في السوق العراقي.

أزمة الدولار التي تضرب العراق جاءت لأسباب عدة منها الغزو الخارجي للقطاع المصرفي والذي مكن عددا من الدول من امتلاك مصارف خاصة في العراق أو افتتاح أفرع لمصارفها وهو ما جعل العراق بؤرة لغسيل الأموال يضاف لذلك المصارف المملوكة للأحزاب والميليشيات الموالية لإيران والتي تهرب الدولار إلى إيران والإضرار بالعراق لتحقيق المنفعة لإيران, علما أن جميع المصارف الخاصة هي تمتلك علاقات مع الميليشيات والأحزاب الموالية لإيران, ويذكر أن علي غلام المالك لثلاثة مصارف معاقبة من قبل الخزانة الأمريكية بالمنع من التعامل بالدولار صرح بالقول "إنه لا يهتم لمنع مصارفه من التعامل بالدولار لأنه هو من يتحكم بالسوق السوداء الذي خلق أزمة دولار" وهو ما تحقق فعليا بعد ذلك, إضافة إلى أن الدكاكين المصرفية أضرت بالعراق وما زالت تسهم في تفاقم الضرر للعراق لصالح تحقيق استمرار إمداد إيران ودول أخرى بالدولار وهو ما يفاقم مشاكل العراق مع الولايات المتحدة والتي قد تتخذ قرارات صارمة جديدة بحق مجموعة دكاكين مصرفية أو قد تأخذ قرارات أشد من ذلك.

إن أزمة الدينار والدولار التي تعصف بالعراق خلقتها الحكومة والدكاكين المصرفية المملوكة للأحزاب والميليشيات المتعاملة مع إيران وهنا سنجمل مجموعة من أبرز الأسباب لهاتين الأزمتين:

1- نقص الكتلة الدينارية في القطاع المصرفي تعود لعدم ثقة المواطن في القطاع المصرفي بسبب السرقات المتكررة للدكاكين المصرفية لأموال المودعين وهو ما جعل المواطن يكتنز الأموال في بيته للحفاظ عليها.

2- عدم وجود قانون يحمي أموال المودعين, بل حتى الشركة العراقية لضمان الودائع هي الأخرى دكان هش تتحكم به الدكاكين المصرفية.

3- تخلي البنك المركزي العراقي عن دوره الحقيقي في المراقبة على المصارف وتنفيذ الإجراءات بسبب تحول البنك المركزي إلى أداة تتلاعب بها الدكاكين المصرفية بسبب اللوبي الذي يدير البنك المركزي الذي أنتجته الأحزاب والميليشيات.

4- تعالي سطوة المضاربين بالعملة الذين يضغطون بشكل كبير على العملة العراقية من خلال استنزاف الدولار من السوق العراقي.

5- استمرار عملية تهريب الدولار من العراق نحو إيران ولبنان وسوريا حتى أصبح في سوريا يباع ما يسمى (بالدولار العراقي) في مكاتب الصرافة.

6- سطوة الأحزاب والميليشيات والسياسيين على الدولار واحتوائه لصالحهم, يذكر أن أحد الشاغلين لمنصب المحافظ قام باستنزاف الدولار من محافظته بشرائه الدولار من جميع شركات الصرافة بعدما حصل على 11 مليار عمولات من المقاولين.

7- قيام الحكومة بإقرار موازنة مخالفة لقواعد المالية العامة والمبالغة في رفع النفقات والتي تسببت في خلق أزمة كبيرة في الدينار العراقي والتي ستتفاقم بشكل كبير في حال تنفيذ بنود الموازنة والتي ستتسبب في تفاقم أزمة الدولار وتراجع قيمة الدينار العراقي أكثر من الآن.

8- الإجراءات البوليسية المتبعة من قبل البنك المركزي والتي تساهم في تفاقم الأزمتين وعدم حلها, علما أن الحل يكمن باستخدام أدوات السياسة النقدية التي يجهلها القائمون على البنك المركزي.

9- غياب السياسة النقدية والرؤيا الحقيقية لتحقيق الاستقرار للدينار العراقي وهو ما جعل الدينار العراقي يتذبذب وسط استنزاف لقيمته بشكل مستمر.

10- التحايل المستمر من قبل الدكاكين المصرفية على العقوبات والإجراءات الأمريكية بخصوص منع تهريب الدولار وهو ما أسهم في تعاظم الأزمتين وسط تواطؤ حكومي والبنك المركزي حفاظا على المصالح الإيرانية مع الدكاكين المصرفية.

إن ما يحدث في العراق من أزمتي الدينار والدولار سوف تأخذ بالتفاقم صعودا نحو الأعوام القادمة وسيتسع تفاقمها بشكل مريع مع نهاية العام الحالي ثم العام الذي يليه وصولا إلى عام 2025 والذي سبق و إن قلت بأنه سيكون عام انهيار القطاع المالي والمصرفي في العراق وانهيار الاقتصاد العراقي؛ والمعطيات المتوافرة حاليا كلها ترجح ذلك والسبب هو تعمد الحكومة والبنك المركزي إيصال العراق لهذه الحالة المريعة خدمة لإيران, ومن يتتبع الدول التي تعبث بها إيران سيجد الوضع نفسه.

مقالات متعلقة