بقلم| نور العبيدي (باحثة بالشأن العراقي)
مذكرات عراقية
(سلسلة من المقالات تتحدث عن تجربة عراقية عاشت الحرب والاحتلال والتهجير)
لم يكن يخطر في بالي يوما أن العراق سينهار تحت حكم عصابات قتلة متعطشين للدماء يحولون الوطن على امتداد أرضه إلى بقعة دماء حوافها جثث أبنائه الذين ذبحوا على الهوية ذنبهم أنهم ولدوا على أرض العراق ويحملون جنسيته، فقد صعقت من هول الأحداث وأنا أكتوي بنار اشعلت في وطني لم تبق شارعا ولا بيتا ولا مدرسة إلا دخلته من النوافذ قبل الأبواب لتحرقني وأنا أمسك بأحلامي التي كنت أمني نفسي بأن أحققها وأنا في ريعان شبابي, مع تسارع الأحدث ومضي الوقت آثرت على نفسي أنا العراقية أن أسطر مذكراتي التي يصطليني وإيها لهيب نار أوقدت لتحرق وطنا وجيلا كان حلمه أن يملك وطنا مستقلا.
مهاجرون في أرض الوطن ...!
نزوح وتهجير وإقصاء واختطافات واعتقالات عشوائية وتفجيرات وقتل بكل أنواعه لشعب لطالما كان صامدًا أمام المحن والبلايا العنيدة؛ التي واجهها أبناء هذا البلد بصدر عاري لا يهاب الموت بل يوجهه بشجاعة لهذا أرادوا لهُ الخضوع وجعلَه فريسة تنهش به الخونة من كل الاتجاهات حتى تضعف قِواه فلا يقاوم لينهض من جديد كما كان سابقًا.
لم يكتف الدخلاء إلى العراق وميليشيات الشر والموبوؤن بالفكر المتشدد بتدمير أبناء المحافظات السنية، بل دمروا كل ما يمكن الاستفادة منه، حتى الشجر والحجر لم يسلم من شرهم، فبدأوا بتدمير باقي الأقليات من الطوائف والأديان في العراق، حيث يُعد بلد مثل العراق متعدد القوميات والأديان وحتى اللهجات، لذا نستذكر أحداث تخص المسيحيين في العراق.
حيث قامت براثن الشر بتفجير ثلاث كنائس في بغداد بتأريخ 2004م من شهر فبراير، راح ضحيتها الكثير من أبناء هذه الطائفة ولم يكتفوا بهذا الجريمة، إنما توالت التفجيرات التي تستهدف الطائفة المسيحية؛ ففي أيار من عام 2007 تم إحراق الكنائس ذاتها التي تم تفجيرها في 2004 وتوالت هذه الاعتداءات ولم تتوقف ففي شهر يولو من عام 2009 ضربت سلسلة تفجيرات خمس كنائس في شرق العاصمة بغداد منها كنيسة مريم العذراء لطائفة الكلدان في شارع فلسطين، وكنيسة مار جورجيس في منطقة الغدير، وكنيسة مار يوسف في منطقة نفق الشرطة، وتم تفجيرها مساء السبت مما أدى إلى وقوع أضرارا مادية في الكنيسة والمنازل المجاورة لها، وقد أكد شهود العيان وقتها أن الانفجار حدث في أعقاب حملة أمنية حكومية مشددة شملت كل الأحياء المجاورة للكنيسة. وفي شهر نوفمبر من عام 2010م تم اقتحام كنيسة سيدة النجاة في بغداد الكرادة وتفجير الكنيسة مما أدى مقتل وإصابة أكثر من خمسين شخصًا.
ولم تكن الاعتداءات على الكنائس فقط؛ بل طالت أبناء هذه الطائفة؛ لترهيبهم وإجبارهم على ترك العراق؛ وهذا ما حصل فعلا؛ فقد أُرغم آلاف المسيحيين إلى اللجوء لسهل نينوى وإقليم كردستان، وإذا جئنا إلى لغة الأرقام لوجدنا أن عدد المسيحيين قبل بدء الخراب في 2003 كان (800) ألف شخص، غادر منهم خارج البلاد أكثر من 250 ألف شخص هربًا من أعمال العنف التي طالتهم فضلا عن مئات الآلاف الذين استقروا في كردستان، وهذا يعني أن نهج التدمير والقتل لا يقتصر على مكون واحد من المكونات العراقية، وإنما الاستهداف هو لكل العراقيين الرافضين للاحتلالين الأمريكي والإيراني، لتهجير أبناء البلد إلى بلاد ليست بلادهم؛ ويستولي على أرض العراق الدخلاء والأغراب ليمزقوا به من كل حدب وصوب.