بقلم| جاسم الشمري
تَرِد كلمة السيادة في غالبية بيانات الحكومات والوزارات المتعلقة بالحفاظ على كيان الوطن، وكرامة المواطنين.
وربما صارت كلمة "السيادة" فارغة من محتواها لدى الكثير من الدول بسبب حالة الهشاشة التي أصابت العديد من الدول الضعيفة، والتي لا تُحْسن التعامل مع التهديدات والهجمات الخارجية، وحتى الداخلية.
والسيادة ليست مجرّد كلمة عابرة، بل هي الصورة الرمزية للدولة، ولا يمكن تصوّر وجود دولة معتبرة بلا سيادة!
والسيادة مفهوم جوهري تقوم على أساسه العلاقات بين الدولة والمجتمع، السيادة الداخلية، وبين الدولة والدول الأخرى، السيادة الخارجية!
وهنالك العديد من التعاريف للسيادة إلا أنها تعني، وفقا للقاموس السياسي: السلطة العليا للدولة، لأي دولة، في إدارة شؤونها الداخلية، السيادة الداخلية، وإدارة شؤونها الخارجية، السيادة الخارجية!
وهنالك العديد من الدول الضعيفة، ربما تعاني من فقدان، أو ضعف، السيادة الخارجية، ولكن الغالبية العظمى من الدول لا تعاني من ضعف السيادة الداخلية، ولهذا نجدها تملك القدرة على بسط هيبة الدولة والقانون على القاصي والداني داخل البلاد.
وهنالك دول أخرى لا تملك السيادة الداخلية نتيجة الصراعات الداخلية على السلطة والحكم، وهذه الدول هي الدول التي تعاني من صراعات داخلية وحروب أهلية، وبالمحصلة فهي ستفقد السيادة الخارجية تدريجيا!
وحينما نجد أن دولة ما قد فقدت السيادتين الداخلية والخارجية، فهذا يعني أن تلك الدولة المفترضة صارت أقرب إلى مفهوم السلطة الخاطفة، من مفهوم الدولة المعتبرة!
والدولة التي تؤكد للعالم أنها على قيد الحياة يفترض بها أن تحافظ على الأقل على سيادتها الداخلية، بالمقابل نجد أن الدولة السليمة الصحيحة تملك السيادتين الداخلية والخارجية!
ويعاني العراق منذ العام 2003 من غياب مفهوم السيادتين الداخلية والخارجية، وهذه إشكالية قانونية وأخلاقية يفترض الوقوف عندها للتخلص من حالة الدولة واللا دولة!
وفيما يتعلق بغياب السيادة الخارجية العراقية، فهذه حقيقة ناصعة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
ونحن لا نريد أن نسوق الأدلة القريبة والبعيدة المتعلقة بحقيقة فقدان العراق للسيادتين الداخلية والخارجية، ولربما من أبرزها التصريحات الإيرانية ومن أكثر من مسؤول والتي أكدوا فيها أن طهران تتحكم بأربع عواصم عربية من بينها بغداد!
ومنذ العام 2003 وحتى الساعة تتحكم الولايات المتحدة بغالبية موارد العراق النفطية، وتدير غالبية ملفات البلاد المتنوعة، وبالذات العسكرية والأمنية والمالية منها، والسفيرة الأمريكية العاملة ببغداد تتحرك اليوم وكأنها الحاكم الفعلي للعراق، وهذا خرق للأعراف الدبلوماسية، وكذلك ضرب للسيادتين الداخلية والخارجية!
ويؤكد الواقع الحالي حالة الفوضى السياسية في العراق، وبدليل الضربات المستمرة وربما المتبادلة بين الفصائل المالكة للسلاح خارج إطار "القوات المسلحة الرسمية العراقية"، وقوات الاحتلال، أو ما تسمى قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية!
وبعد الضربات الأمريكية الأخيرة على مواقع للحشد الشعبي وجدنا دعوات وصرخات عراقية حشدية رسمية وغير رسمية، لإنهاء التواجد الأجنبي في العراق!
ونتيجة لهذه الضغوطات أعلنت حكومة بغداد، يوم 25/1/2024 الاتفاق مع واشنطن على صياغة جدول زمني لمباشرة "الخفض التدريجي لمستشاري التحالف الدولي على أرض العراق وإنهاء المهمة العسكرية للتحالف ضد داعش، وإطلاق اللجنة العسكرية العليا (HMC) لتقييم تهديد داعش وخطره، والمتطلبات الظرفية والعملياتية وتعزيز قدرات القوات الأمنية العراقية".
ولكن هل ستخرج واشنطن من العراق بهذه السهولة؟
لقد أكدت التجارب السياسية القديمة والحديثة أن السيادة الخارجية من ثمرات السيادة الداخلية، ولهذا فإن الدول التي لا تمتلك سيادة داخلية، لا تملك سيادة خارجية!
يفترض أن تنتهي حالة الدولة واللا دولة في العراق وذلك بأن تكون الكلمة الفصل للحكومة، وهي التي تدير التفاهمات مع قوات الاحتلال المتواجدة في البلاد، وهذا الرأي لا علاقة له بالموقف الشخصي من العملية السياسية، ولكن كلامنا يتعلق بالمفترض منطقيا وسياسيا!
مَن يُريد أن يبني العراق عليه أن يفهم جيدا أن السيادة الداخلية هي الأرض المتينة لبناء السيادة الخارجية!
لا دولة بلا سيادة داخلية، ولا سيادة خارجية بلا سيادة داخلية!
حافظوا على سيادة العراق بالعدل والسياسات النقية البعيدة عن الطائفية والانتقام.