بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
القانون الدولي هو قانون إمبريالي مكتوب ومطور ومطبق من قبل القوى الإمبريالية للحفاظ على علاقات القوة التاريخية التي تصب في مصالح القوى العظمى، إنه يعزز الاحتكار العالمي لاستخدام القوة في أيدي القلة. السيادة هي امتياز للقلة نفسها: حقهم في نزع السيادة عن الحلقات الأضعف في السلسلة (الدول الضعيفة). إنه مصمم ومُقنن على هذا النحو، فهو يضمن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لموطن رأس المال. لو كان الحال خلاف ذلك، لتمت معاقبة أمريكا وبريطانيا على حرب غير شرعية وتجاوز على سيادة بلد واحتلاله دون أدنى مبررات قانونية. بل على العكس، بعد ما أنتج الاحتلال وقائع على الأرض وغدا واقع حال، أتت الأمم المتحدة فيما بعد وأضفت شرعية على الاحتلال.
نرجع خطوة إلى الوراء، في عام 1996 سمعنا النفاق السياسي التالي من أولبرايت: "لقد سمعنا أن عدد الأطفال الذين ماتوا في العراق يفوق عددهم في هيروشيما، هل الثمن يستحق ذلك؟" ردت عليه السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة أولبرايت: "أعتقد أنه خيار صعب للغاية، لكن الثمن، نعتقد أن الثمن يستحق ذلك."
هذا البيان أقل استهجانًا من الناحية الأخلاقية، كما أنه ليس فقط مسألة ازدواجية المعايير، من وجهة نظر الناس المستهدفة في العراق، هو دائمًا معيار واحد أسوأ، البيان يفصح عن الحقوق القانونية الإمبريالية الحقيقية، مدفوعة بالجشع للسلطة والهيمنة، إن مسألة العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية على العراق، كانت تتحرك على نقطة التقاء المصالح الجغرافية السياسية والاقتصادية الدولية، بوساطة الادعاء بالسيادة العالمية لصانعي الحرب: العقوبات ليست استمرارًا، ولكنها بديل للحرب مع الآخرين. يعني، المرحلة التمهيدية للحرب على العراق لتدميره و نزع السيادة عنه.
ليست العقوبات الاقتصادية فحسب، بل الأعمال المتعلقة بالتسلح هي أي شيء إلا مبررة، لأنها تغير ميزان وعلاقات القوى في المنطقة بشكل يؤدي إلى اندلاع نزاعات جديدة ونزاعات مسلحة وزيادة في الطلب على استيراد السلاح.
وبهذا المعنى، سياسة العقوبات الجائرة أضعفت الدولة العراقية وحولت ميزان القوى لصالح إيران وإسرائيل ودول الخليج الأخرى، وهذا ما اتضح بعد احتلال العراق!
من الدولة إلى أرض اليباب
الدولة العراقية الحديثة قامت على إنشاء فكر وثقافة وممارسة تهدف إلى تشكيل وحدة اجتماعية متجانسة تتجاوز الإرث التاريخي لنظام الملة العثماني، الخريطة المناطقية الهوياتية بعد مضي قرن على تأسيس الدولة وإلى ٢٠٠٣، و بالرغم من المد والجزر في تاريخها، نجحت الدولة نسبيا في تكوين مجتمع جديد وبتراث عراقي معاصر رسخ الانتماء لأفراد المجتمع بالرغم وأحيانا بسبب الاختلاف الهوياتي.
ما حصل بعد ٢٠٠٣ هو انقلاب نوعي على هذا التراث ومحاولة لإرجاع العراق إلى ذات الخريطة الممزقة ما قبل الدولة العراقية؛ الهدف من هذا المشروع الجيوسياسي هو ترسيخ استحالة قيام دولة مركزية تستمد قوتها وشرعيتها من ذات الاختلاف المجتمعي واستحالة هيمنتها الإقليمية.
حرب الإرهاب، أو ما تسمى بلاغيا الحرب على الإرهاب، ليست فقط مشروع لحرب مفتوحة للتدخل في شؤون المنطقة، وإنما أيضا وقبل كل شيء هي نمط من الإرهاب الفكري الذي يعمق خنادق الكراهية ويجرم التواصل مع والاعتراف بالآخر، فاشية مشرعنة ديموقراطيا!
تبعا عوضا عن المواطنة تم تقنين التهميش والإقصاء دستوريا ومؤسساتيا وسياسيا وأمنيا مما أدى إلى تمزيق اللحمة الاجتماعية وفرض الزي الأسود الموحد على الاختلاف لضرب قوة الدولة في نقطة ارتكازها: التنوع الثقافي، العنصر التأريخي الموحد للمجتمع العراقي والمنبع الفكري لحضارات وادي الرافدين.
ما تم تقنينه بالرغم من وضد إرادة الشعب هو كيان خاوي هجين لا يمت لا للسياسة ولا للدولة بصلة، كيان يخدم مصالح أمريكا وبريطانيا وإيران وإسرائيل مقابل نهب ثروات الشعب وفرهود الدولة العراقية. هذا المقابل ليس الثمن البخس لأزلام الكيان، بل هو الآلية الأكثر فعالية لهدر موارد الدولة الطبيعية والبشرية لضمان عدم إمكانية نهوض هذه الدولة في المستقبل.
عصابات ومافيات النهب والفساد والقتل المتحكمة بمفاصل الكيان وثروات الشعب ليست فقط متواطئة في تدمير البلد وأهله، بل كانت أجندتهم منذ البداية مشروعًا للتدمير الهيكلي للدولة، وهي الفرصة الوحيدة للمجيء والبقاء في السلطة: فسلطتهم تتناقض وجوديا مع الدولة ولا يمكن الحفاظ عليها إلا من خلال التدمير الدائم للدولة العراقية. ولذلك يتذرعون بكل الفظائع الطائفية والعرقية التي يخفون وراءها نواياهم الشريرة.
البرجوازية المقدسة الرثة
البرجوازية المحاصصية الرثة نهبت ومازالت تنهب ثروات العراق بمئات المليارات كل يوم، ليس فقط ذلك، الزمر الإقطاعية وميليشياتها هي من تنهب و تسيطر على الثروات وفتحت الأبواب إلى سراق من خارج الحدود - الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ومستثمرين وشركات وهمية - لينهبوا ثروات العراقيين باسم آل البيت والمرجعية والعرقية والوالي السفيه، ثم أدخلتهم في السوق النقدي عن طريق مزاد العملة ومصارفهم الوهمية لكي يغسلوا ويهربوا الدولارات لصالحهم ولتمويل ميليشياتهم.
الشعب العراقي يدفع ثمن ثقته وتصديقه للخطاب الطائفي العرقي الولائي وانتهى به المطاف إلى حالة مزرية من الفقر وانعدام الخدمات والتعليم والضمان الاجتماعي والصحي بعدما عمت أعينهم المراقد والمعممين ومراسيم وطقوس مذهبية أودت بهم إلى حافة العدم.
ما العمل؟
النظام المحاصصاتي المترهل لا يمكن إصلاحه لأنه عفن إلى درجة المرض، الجهاز الإداري والأمني والقضائي الفاسد للنخاع لا يصلح كجهاز لإجراء الإصلاحات الجذرية المطلوبة لاستعادة ثروات وممتلكات الشعب التي تضمن شروط معيشته وتعليمه وتوظيفه ومستقبله الخ.
في مقابل هذا الدمار الممنهج، أغلبية الشعب العراقي أفضل من يتذمر والأفضل عالميًا في السخرية من شكواه، والأسوأ عالميًا في التعامل مع فساد حكامه وفي معالجة الوضع البائس الذي سبب هذه المآسي.
يتذمر من عشرين عاما من فساد وسقوط وعمالة واستهتار حكامه، لكنه يخذل أولئك الذين يناضلون من أجل حقوقه في اللحظة التي يشعر فيها أن عليه دفع ثمن بسيط مقابل التغيير إلى الأفضل، يفضل البؤس المريح على الخلاص المتعب.
ولتجنب إلقاء اللوم على الشعب فقط، فإن النقد يستهدف على وجه التحديد ما يسمى بالنخب التي بدلاً من الإشارة إلى الطريق للخروج من حالة الانحطاط البائسة، تنخرط في معارك دون كيشوتية للبطولة الخيالية أو متواطئة في إبقاء الناس في حالة من المعاناة الأبدية، إما عن طريق نشر آمال كاذبة أو ترسيخ الإحساس باليأس القاتل.
ولا يزال الناس يتذمرون، وما تزال النخب تسخر من الحكام الفاسدين، ولا يزال الإعلام السريالي يناقش ملفات الفساد الفلكية. وفي هذه الأثناء يوسع الحكام الفاسدون دائرة فسادهم وتنحدر البلاد إلى حافة الهاوية...هكذا هو الحال في العراق الشعبوثيوقراطي!
فمصالح النخب العصبوية تلتف بمعطف مصلحة المذهب والعرق لكي تكسب شرعية من خلال انتخابات الجماهير، وبذلك تكون الجماهير متواطئة في تمكين النخب من تدمير الدولة و استغلالها لثروات الشعب.
لا يمكن فعل أي شيء إن لم تحطم الجموع المسحوقة و المخدرة أفيونيا وخرافيا أغلال العبودية الطوعية وإن لم يستطع الشعب تشكيل نخب سياسية جديدة من صفوف أبنائه و بناته تقوده الى الخلاص من نكبة الاحتلال و أعوانه!.