الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الرفض الفطري للاحتلال

الرفض الفطري للاحتلال

وليد الزبيدي

حتى الذين لم يقاوموا المحتل عبر التاريخ لديهم رفضا فطريا له، وتؤثر الظروف الدولية بصورة كبيرة في مسار أية مقاومة، باعتبار أن حصول الفعل المقاوم ينتج عند حصول احتلال لأرض محدودة المساحة، أو لدولة، ما يعني حصول اضطراب قد يرقى إلى مستوى القلق الشديد في المنظومة الإقليمية أو الدولية، وهذا الواقع الذي تنشأ وتتطور فيه جميع أنواع وأشكال المقاومة التي يتحدث عنها التاريخ، وإذا نشأت جميع المقاومات تحت وازع الرفض الفطري للاحتلال باعتباره جريمة بشعة لا ترضاها النفس البشرية، وترفضها جميع الفلسفات الإصلاحية، وتقف بمواجهتها القيم والأعراف، فإن انطلاق المقاومة يحتاج إلى عنصر هام، يتمثل بالثقة بتحقيق أهداف المقاومة، وهنا يدخل العامل الإقليمي أو الدولي أو كلاهما، ويكون العمل على ثنائية احتياج المقاومة للدعم، مقابل تحقيق اهداف الطرف أو الأطراف الإقليمية والدولية، التي تسير بنفس مسار أهداف المقاومة، ومن هذا المنطلق دعمت بريطانيا ديغول ضد الاحتلال الألماني لفرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية العام 1940، وقدم الاتحاد السوفيتي ودول كثيرة أخرى الدعم الواسع والمطلق للمقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأمريكي، ووقفت الدول العربية وفي طليعتها مصر إلى جانب المقاومين الجزائريين لتحرير بلادهم من الاحتلال الفرنسي، وحصلت المقاومة الفلسطينية على دعم واسع وكبير من الدول العربية ومن دول كثيرة أخرى، حيث ازداد الدعم الأمريكي والغربي لإسرائيل لتثبيت احتلالها للأراضي الفلسطينية، ولسبب موضوعي، فإن المقاومة العراقية، لم تعمل وسط ظرف دولي يسهم في دعمها وتقويتها والحرص على توفير المستلزمات الضرورية لاستمرارها وتحقيق أهدافها، ولا يخفى على الجميع، أن الظرف الدولي الذي تم فيه احتلال العراق، لا يسمح بأي شكل من الأشكال لدعم المقاومة العراقية، بعد أن اختتمت (الحرب الباردة) آخر جولاتها مطلع تسعينات القرن العشرين، وتفردت الإدارة الأمريكية بالسيطرة على القرارات الدولية، بعد أن تمكنت من جعل العالم بأسره يعيش (القطبية الواحدة)، التي يمسك بجميع عناصر قوتها البيت الأبيض، ولم يعد بإمكان أي دولة أو قوة إقليمية الوقوف بوجهها، وهذه المسألة تفرض حضورها على جميع الباحثين والمتخصصين في تناول الشأن العراقي ،خاصة ما يرتبط بنشوء المقاومة وتطورها، ولا يمكن إغفال هذه الحقيقة، لأنها تدخل في صلب العامل الأهم، الذي يفترض وجوده لاستمرار المقاومة أو تراجعها وانطفائها وحتى التفكير بإطلاقها، إن لم تبق تلك المقاومة حبيسة الأذهان والمشاعر والأفكار، وقد لا يُسمح بخروجها على الإطلاق، ولا شك أن شرط وجود تناحر دولي أو إقليمي، من أولويات حصول دعم المقاومة، وهذا الأمر لا ينطبق على الظروف التي انطلقت فيها المقاومة العراقية، إذ كان العام 2003 (عام الغزو الأمريكي للعراق) من غير المسموح به خروج أي دولة عن (طاعة الولايات المتحدة) وهذا أحد السياقات المعلنة للحرب على العراق، إذ أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش بصراحة ووضوح، أن الذي لا يقف مع الولايات المتحدة فهو ضدها، أي أن الجميع في خندق واحد، وهو الخندق الذي تقوده الإدارة الأمريكية، ونظرا للأهمية القصوى لـ (الظرف الدولي) في دعم المقاومة واستمرارها، وقبل ذلك حظيت المقاومات بالدعم الواسع (في فرنسا ،وفيتنام، وفلسطين والجزائر)، وهو ما يوضح أهمية هذا العنصر وضرورة توافره، إن لم يكن غيابه يعني شبه استحالة نشوء مقاومة، وإن ظهرت فإن مصيرها الذبول والخواء إن لم يكن التلاشي، وإن حاولت تطوير أدواتها فلا طريق للتواصل والاستمرار أمامها، ولو كانت المقاومة الفيتنامية بدون دعم كبير وواسع بالمال والسلاح من قبل الاتحاد السوفيتي (وهو القطب الثاني) في الصراع الدولي، والصين (وهي من الدول الكبرى) ومنظومة عدم الانحياز التي تضم الكثير من الدول، لما تمكنت من المطاولة حتى تحقيق أهدافها، وفي وقت مبكر تنبه الفيتناميون إلى عنصر الدعم الخارجي باعتباره الأساس للانطلاق والعصب الرئيسي للتطور والاستمرار، وبهذا الصدد أعلن الزعيم الفيتنامي (هوشي منه) قبول المعونة الخارجية غير المشروطة من أي جهة كانت، وكان هذا الإعلان بمثابة منهاج عمل واضح المعالم يتضمن برقية لأعدائه يؤكد فيه وجود قوى وأطراف مستعدة للدعم، كما أن ثمة رسالة للمقاومين أنفسهم ، تقول لهم إن قضيتكم عادلة وأن هناك في العالم من يقف معكم ويقدم لكم الدعم، ويتضمن ذلك من بين ما يتضمن دعما معنويا كبيرا للمقاومين وللحاضنة الشعبية لهم، على طريق زيادة إيمانهم بالإصرار والتصميم حتى بلوغ أهدافهم المعلنة.

في حين لم تحصل المقاومة العراقية على مثل هذا الدعم، لكنها تمكنت من إلحالق هزيمة واسعة بقوات الاحتلال الأميركي، ما أجبرها في وقت مبكر على طرح مسألة الانسحاب من العراق ، وتبقى فطرة مقاومة المحتل حاضرة عند الجميع.

مقالات متعلقة