الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التعليم في العراق انهيار مستمر في ظل حكومات المحاصصة ..

في اليوم العالمي لمحو الأمية .. التعليم في العراق انهيار مستمر في ظل حكومات المحاصصة ..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

لا تقف أزمات العراق عند الصراعات السياسية والمشكلات الاقتصادية والأمنية فحسب، بل تتعدى لملفات أخرى لا تقل أهمية عن تلك القضايا، ولاسيما على ضوء الإحصاءات التي تكشف عن نسب عالية من الأمية التي تسجلها البلاد عاماً بعد آخر بين مختلف الفئات العمرية.

بعد أن أعلن العراق في سبعينيات القرن الماضي خلو البلاد من الأمية تقريباً، تعود هذه الآفة إلى المجتمع من جديد لتهدد أجيالاً من الشباب والأطفال، نتيجة الإهمال والفقر والفساد الذي يعم العراق، ناهيك عن سنوات الحصار والحروب والاقتتال والنزوح مرة تلو الأخرى، حتى أصبح ثلث البلاد عبارة عن شعب نازح، وسط إهمال حكومي واضح، لأسباب في مقدمتها عدم جعل التعليم إلزامياً وعدم تشجيع الفئات للانضمام إلى مراكز محو الأمية.

ورغم عدم وجود أي إحصاءات رسمية تكشف أعداد الأميين في العراق لغياب التعداد العام، فإنه حسب الإحصاءات الأولية لنقابة المعلمين العراقيين بلغت نسبة الأمية أكثر من ١٣ مليون وأكثر.

إنّ عدد الأطفال الأميين في العراق مخيف بعدما تجاوز ثلاثة ملايين طفل دون ١٢ سنة والحكومة تتجاهل أمية الأطفال، وتتجنب حتى بحثها، وهذا الصمت تجاه هذه المشكلة سببه عدم وجود أي توجه نحو الحل.. وبالنسبة لمدارس النازحين إهمال كامل من الحكومة لهؤلاء الشريحة حال دون تعليم أبنائهم.

كما تبرز مشكلة أخرى على مستوى حاجة العائلة إلى جهد الأطفال وإلحاقهم بسوق العمل لتدبر معيشتهم، في حين يكون مأزق الصغار الذين لم تعد لديهم أوراق رسمية أكبر.

التحدي الأخير الذي حددته تقارير دولية أممية حول الأطفال النازحين هو أنّ العديد من هؤلاء الأطفال يتسربون من المدرسة لرعاية الأشقاء أو العمل كباعة متجولين في الشوارع والأرصفة لإعانة عوائلهم وكسب الدخل، والفتيات النازحات معرضات خصوصاً لخطر التسرب بسبب الزواج المبكر أو الحمل أو المخاوف الأبوية من الاختلاط مع الأولاد، ويفيد تقرير سابق لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، بأن أكثر من ٣ ملايين ونصف مليون طفل عراقي في سن الدراسة قد تسربوا من التعليم وخاصة في مخيمات النازحين.

فبينما يحرم النظام التعليمي المئات منهم من الدراسة، لا يظهر التسرّب المدرسي وحده على أنه العقبة، إذ إن المعضلة هي في إيجاد مدرسة والالتحاق بها، تخلّف عدد كبير من الأطفال عن المدارس، النقص الكبير في الكوادر التدريسية والتهالك على مستوى البنى التحتية.

وبينما تضم إحدى مدارس المخيم أكثر من ٢٥٠ طالب في الوجبة الواحدة، فهي تعاني من انعدام البنى التحتية. هي فقط عبارة عن كرفانات متأكلة لا تصلح للدراسة.

وحتى النزوح والمدارس داخل مراكز المحافظات المعاناة أكثر بسبب إجبار الأهالي على دفع أجور بنايات المدارس واشتراك الباصات المدرسية وغيرها من الأموال التي تجنى من النازح بحجة تعليم أبنائهم معظمها سرقة واحتيال بالإضافة إلى نقص الكوادر التدريسية وغياب التنسيق بين وزارة التربية في الحكومة المركزية مع وزارة التربية والممثليات داخل إقليم كردستان، والذي أدى بدوره إلى ظهور مشاكل عديدة.

إن دول العالم اليوم تضع الطفولة في المقدمة إلا العراق، وقد صدق أحدهم حين قال الطفولة هي مرحلة وسطى بين الملائكة والبشر، وهذه الطفولة منسية في جداول النواب والوزراء منذ السقوط، لأنها طفولة منسية في إعداد المناهج الحقيقية لمكافحة الأمية، وإعداد البيئة الصالحة للدراسة ، لا كما هو الحال في مدارسنا الطاردة للطفل المتعلم، ويقول "لينين" بهذا الصدد أعطني أربع سنوات لتعليم الأطفال، والبذور التي سأزرعها سوف لن تقتلع، نعم لقد تسيس التعليم وصار وزير التربية من حصة هذه الكتلة والتعليم العالي من حصة تلك الكتلة، وصارت التخصيصات التي تصرف للرئاسات الثلاثة أكبر من التخصيصات المقررة لوزارة التربية، وصارت المناهج تستبدل من أجل الحصول على عائدات طبع الكتب.

إن الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣ لم تولِ اهتماماً بالمؤسسة التربوية التي تخصص لها بعض دول العالم ٢٠ بالمائة من موازناتها، في المقابل يخصص العراق لها بحدود ١.٧ بالمائة فقط من الموازنة الكلّية، وبالتالي لا تسد هذه النسبة حاجة ومتطلبات وزارة التربية لذا كانت نسبة أعداد الأمية في تزايد لغياب الحلول والتخصيص المالي.

وأثرت عوامل كثيرة، منها ارتفاع مستوى الفقر ونسب البطالة في العراق، وأزمة النزوح التي ما زالت تفتقد للحلول، على مستوى التعليم في العراق، وقد حرمت آلاف الأطفال العراقيين من دخول المدارس.

كما يعد الفساد الذي تعانيه أغلب مؤسسات الدولة واحداً من أبرز التحديات التي تواجهها المؤسسة التعليمية في العراق، إذ إنّ تأثيراته بدأت تتفاقم بشكل مستمر من خلال النقص الكبير بأعداد المدارس، والاضطرار إلى الدوام المزدوج فيها، وعدم تجهيزها بالمستلزمات الدراسية من كتب ومقاعد وسبورات وغير ذلك، ما اضطر الكثير من الأهالي إلى تحمّل أعباء توفير مقاعد وكتب لأبنائهم.

وفي حال استمرار العجز الحكومي، فإنّ تفشي الجهل في المجتمع سيؤثر على البلاد بشكل عام، وسيكون له تأثير أوضح على الأمن، إذ إنّ الجماعات المسلحة والعصابات تنمو داخل التجمعات غير المتعلمة. على الحكومة تبني برنامج واضح للقضاء على الأمية، وخصوصًا بين الأطفال، وإنقاذ المجتمع من هذه الآفة الخطيرة التي تهدد المستقبل.

العراق كان يتبوأ المراتب الأولى عالمياً في جودة التعليم ومحو الأمية خلال سبعينيات القرن الماضي، إلا أنه وفق التصنيف الأخير، جاء العراق ضمن أكثر البلدان التي تعاني من ارتفاع الأمية بما يتجاوز ٤٧%.

معالجة الأمية والحد من تفشيها، يعتمد بالدرجة الأساس على الاهتمام بالتعليم الابتدائي على وجه الخصوص من خلال توفير الأمن للطفل الطالب، والمدرسة الجاذبة اللائقة والمعلم المتعلم بأصول التربية وعلم النفس، وبمعالجة حالة الطفل المادية من خلال مساعدة أهله مادياً لإبعاده عن شبح العمل القسري للطفولة، وأن يتم التفكير جدياً بإلزامية التعليم الابتدائي وإصدار قانون مناسب وظروف التسرب الحالية، وأخيراً وعلى سبيل المثال إبعاد الفساد الإداري لمعاون مدير التربية الذي ينقل هذه المديرة أو تلك المعلمة حسبما يراه مناسباً من المردود المالي الذي يحصل عليه، فلنرحم الطفل الملاك ولننقذه من علة الأمية..

مقالات متعلقة