بقلم| حوراء الياسري (باحثة بالاقتصاد)
بدايةً يجب تعريف التضخم بشكل إجمالي، التضخم هو الزيادة النسبية في الأسعار من فترة لأخرى غالباً ما تكون سنة، أما أسباب التضخم فهي متعددة تتعلق أحيانا بزيادة الطلب على المعروض من السلع والخدمات وانخفاض قيمة العملة مقابل العملات الأخرى وارتفاع الواردات مقابل الصادرات وزيادة المعروض النقدي بدون أن يقابله زيادة في النمو (الإنتاج).
بخصوص التضخم في العراق فإن أسباب الارتفاع المتزايدة تكمن في زيادة المعروض النقدي بسبب ارتفاع نسبة التوظيف وقيام المؤسسة المالية بطباعة نقد جديد من غير أن ينعكس على زيادة في النمو أي الإنتاج حيث اتَّسمَتِ الأعوام الثلاثة، من 2021م، ولغاية نهاية 2023م، بالإفراط في إصدار وطباعة العملة المحلية، إذ ارتفع حجم الإصدار من حوالي 69 تريليون دينار في كانون الثاني/ 2021م، إلى حوالي 102 تريليون دينار في تشرين الثاني/ 2023م، بزيادة حوالي 33.5 تريليون، وهي الأعوام التي تلت قرار انكماش الدينار العراقي، وتزامنت مع فرض المنصة الإلكترونية على البنك المركزي العراقي، من قبل مكتب مكافحة الجرائم المالية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، التي قيدت تحويل الدولار الذي كان يُهرَّب إلى دول الجوار، وبهذا خلق كتلة مالية كبيرة تطارد عدد محدود من السلع والخدمات مسببا ارتفاع أسعارها إذا ما أضفنا التضخم المستورد بسبب ارتفاع قيمة السلع المستوردة التي ترزح تحت ضغط التضخم الذي يضرب العالم أجمع، كذلك الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط الذي يتسبب بارتفاع الواردات على الصادرات.
أما كيفية قياس التضخم يكون من خلال قياس نسبة التغير في أسعار السلع والخدمات التي ينفق عليها المواطن العادي خلال فترة زمنية معينة وتقوم الجهات الإحصائية بقياس هذه النسب من خلال عمل إحصاءات ميدانية بعينات من المجتمع حيث توضع نسب معينة على السلع الاستهلاكية الضرورية كالأكل والشرب ونسبة أخرى على السلع الكمالية كالملابس والسفر ووسائل النقل وخدمات الترفيه والسفر والسياحة، من خلال بيانات التضخم الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء العراقي نلحظ ان زيادة الأسعار شملت السلع الكمالية المتمثلة بالملابس والأحذية والايجار وخدمات السكن والوقود والأثاث والتجهيزات والنقل والصحة والاتصالات والتعليم والمطاعم والفنادق أما السلع الاستهلاكية المتمثلة بالألبان والأجبان والبيض والزيوت والدهون والفواكه والخضروات والسكر والمشروبات الغير كحولية الأغلب منها منخفض أو بهامش ارتفاع بسيط وذلك لأن هذه المواد يتم استيرادها من الدول التي يتم التعامل معها بالعملات المحلية، بالإضافة الى إن فصل الربيع والصيف هي مواسم للكثير من المنتجات الزراعية المحلية ،اما الحبوب فقد انخفضت نسبته في الوسط والجنوب لأنها في موسم حصادها التي تكثر زراعتها في هذه المناطق وارتفعت في إقليم كردستان بشكل طفيف لأن الإقليم يعتمد على استيراد هذه السلعة محليا أو دوليا أما اللحوم والأسماك فقد شهدت ارتفاعاً كبيراً في عموم العراق بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة المتأثرة بارتفاع الأسعار العالمي.
إن نسب التضخم العالية تنعكس على الدولة والمواطن بشكل كبير حيث يتسبب التضخم بإضعاف القوة التصديرية للدولة وزيادة نسبة الفقر وإضعاف قدرة المنتوج المحلي على التنافس كما يتسبب بارتفاع خدمه الديون السيادية للبلد المتمثلة بقروض صندوق النقد الدولي والأضرار بقيمة العملة المحلية على المستوى البعيد.
أما فيما يخص المعالجات الحكومية لنسب التضخم المرتفعة والمستمرة فأجدها معالجات خجولة، لا ترقى لحجم المشكلة كما أن من أهم المعالجات التي يجب أن يتبعها صانع القرار للتخفيف من عبء التضخم على المواطن هو التشديد المالي المتمثل بترشيد استهلاك السلع الكمالية المستوردة ودعم الإنتاج المحلي من خلال دعم أسعار المواد الأولية المستوردة بالعملة الأجنبية والسيطرة على أسعارها بعيداً عن السوق الموازي الذي يشهد ارتفاع الطلب عليها وكذلك ضرورة التشديد النقدي المتمثل بإغراء الجمهور بإيداع الأموال الفائضة لدى البنوك وسحبها من السوق من خلال رفع أسعار الفائدة وتحديد نسبة التضخم الذي يستهدفه البنك المركزي وصانع القرار مما يخلق ثقة تدريجية بين المواطن والمؤسسة المالية فيما لو تمكن من تحقيق التضخم المستهدف مما ينعكس على سلوك الفرد الاقتصادي تجاه السلع والخدمات المعروضة والكف عن الشراء الغير ضروري كما يجب تبني سياسة مالية انيه قادرة على توليد استثمارات محركة للعجلة الاقتصادية، متمثلة بالمشاريع الكبيرة، ومنها مشاريع البنى التحتية ومشاريع استراتيجية عابره للمحافظات والإقليمي وخلق سوق وطني حر بإمكانه تحريك قوة العمل من مجال لآخر بانسيابية بين الحكومة والقطاع الخاص للتخلص من الاقتصاد الريعي الذي يكبل الاقتصاد العراقي منذ سنوات طويلة.