الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التصحر في بلاد الماء

بقلم| مكي النزال (عضو اللجنة العليا للميثاق)

كان الأجانب يسمون العراق ميزوبوتاميا وتعني بلاد الرافدين قبل أن يعيدوا له اسمه (العراق) ومن اسم هذا البلد نفهم ماهيته الزراعية وكونه بلاد الخضرة والنضار والرواء حتى أتى حين من الدهر انقلبت فيه المعادلات فصار العراق صحراء قاحلة ونال التصحر من كل شيء فيه إلا دموع ثكالاه وأيتامه وجياعه ونازحيه ومحروميه ومنفييه ومحبيه.

لماذا تصحر العراق المائي؟

سؤال مشروع قد نجيب عليه أن الطبيعة جارت عليه فقتلت أشجاره وأماتت عشبه وحنطته وشعيره ورزَّه (تمّنه) المشهور بمسمى (العنبر) والذي يدلله العراقيون فيسمونه (العنبوري) ونخيله الذي لا يذكر اسمه حتى يذكر معه ببرحيه وخضراويه وتبرزله وزهديه الذي طالما كان طعام فقرائه.

وحاشى للطبيعة أن تجور فالقاتل هو متصحرو الضمائر والعقول الذين ما لمسوا شيئًا إلا وتصحر ومات بعد أن يسلبوا ما فيه من خير.

جاء المحتلون الأمريكان فشنوا حملات عديدة أولها قطع رؤوس الرجال والنساء والأطفال ثم زاغوا إلى النخيل فقطعوا رؤوسها أو جندلوها وتركوها جثثًا هامدة. وجاء الإيرانيون فخنقوا الأنهار والروافد من أعناقها وحرفوا مساراتها ليشربوا هم ويسقوا زروعهم التي يبيعونها لنا بأسعار يحبونها وتفقرنا وتفرغ ما في جيوبنا من قليل مال كسبناه بماء نزفناه عرقًا.

أما ولاة أمورنا فمتربعون على شرفات قصورهم على ضفاف بحيراتهم الصناعية التي تستمد ماءها من دجلة والفرات اللذان لا ندري متى تقرر جارتنا الأخرى قطعهما لتحل الفاجعة الكبرى وربما نموت عطشًا.

إن التصحر الحقيقي هو ما جناه علينا هؤلاء فالريح التي تهب على جيراننا (في الأردن مثلًا) تأتي بما يزعج النساء لأنه يتطلب كنسًا ثم شطفًا بالماء لساعة أو أكثر! هكذا وليس أكثر في بلد اشتهر بشحة مائه!

هؤلاء الذين تولوا أمرنا تصحرت عقولهم وضمائرهم فلم يفكروا بأهم وأغلى وأثمن ما يملك العراقيون من مستلزمات الحياة فضيعوا النخيل والأشجار التي كانت سدودًا تصد عنا الغبار فصرنا نختنق – بالمعنى الحرفي للكلمة – ولا نجاة لنا إلا في مطر الله الذي ندعوه ألا يقطعه عنا وهو الرحيم بنا والكريم في عطائه.

ولكي نقدم الحلول نقول إن هنالك طائرات مسيرة تغرس آلاف الأشجار بسرعة مذهلة وإنها معروضة للبيع هي والأشجار في بلدان مثل استراليا التي قهرت صحراءها ليعيش مواطنوها دونما اختناق!

هذا حلنا لمأساة التصحر على أن تسبقه مواقف حازمة مع كل من يقتل أنهارنا ولنا في ذلك سبل لو كنا مخلصين لبلدنا لا لجيراننا.

وما أجمله من عراق حين تتغير وجوه من يقودونه ليعود نضرًا يتغنى به شعراء الكون قائلين (الماء والخضراء والوجه الحسن) وأرجو ألا يساء فهم قولي فأنا لا أعني منطقة نفوذهم التي يتخندقون فيها بعيدًا عن شعبهم والمسماة ظلمًا بالمنطقة الخضراء وهي في حقيقتها غبراء.

مقالات متعلقة