التشكيلات السياسية العراقية بين المشروع والدكان
بقلم| عمر الحلبوسي (باحث سياسي بالشأن العراقي)
لم يعُد يخفى على أحدٍ ازدحام الساحة العراقية بالتشكيلات السياسية المنضوية تحت العملية السياسية في العراق التي تنوعت وتعددت مسمياتها، لكنها تشابهت بالخطاب المعسول والمتكرر الذي أفقد الجمهور العراقي الثقة بهذه التشكيلات التي تحوم حولها الكثير من الشبهات سواء أفرادها أو داعميها أو حتى مصداقية ما تدعي, فقد تكشفت للجمهور العراقي تشكيلات كانت تحمل أسماءًا رنانة وتلقي خطاباتها بصوت عالٍ لمحاولة إيقاد الحماس في أنفس الجمهور لكنها ما إن ذاقت بعض حلاوة المال وكبرياء المنصب حتى نكصت على أعقابها في مستنقع اللصوص وتحولوا من دعاة حقوق إلى سُراق حقوق وهو ما خلق فجوةً كبيرة بين كل تشكيل سياسي يظهر وبين الجمهور الذي أصبح واعيا لما يدور في الساحة العراقية من ألاعيب سياسية خلق في نفس الجمهور شرخا كبيراً وردوداً سلبية حول أي تشكل سياسي, فأصبح أكبر تحد يواجه التشكيلات السياسية على مختلف ألوانها وشخوصها هو إعادة الثقة بينها وبين الجمهور.
فما برز على الساحة العراقية من تشكيلات تدعي أنها صوت الشعب وأنها ستكون مشروعا للخلاص الشعبي من إفرازات العملية السياسية لم تفلح إلا برقعة جغرافية محدودة كونها لم تصل للجمهور بسبب عدم امتلاكها مشروعا سياسيا متكاملا ولغياب الرؤية الواضحة، بالإضافة إلى ذلك شبهات تحوم حول بعض شخوصها إن لم يكن جميعهم ناهيك عن الدعم المالي الذي لم تفصح عنه, فما تحقق لها هو ليس بنصر ولا كسب ثقة؛ كون نجاحها اقتصر على دائرة مغلقة لم يتمكنوا من الخروج إلى مناطق أخرى لعدم ثقة الجمهور بهم, وكذلك لإدراك الجمهور أن العملية السياسية بهذا الشكل كل من يشارك فيها دخل الفساد من أوسع أبوابه وأنه سيكون محكوم بإرادة وقرار ومشاريع الدول المتحكمة بالعراق؛ لأن العملية السياسية خاضعة لدول لها أطماع في العراق تستخدم العملية السياسية كأداة لتنفيذ مشاريعها التوسعية على حساب دماء وأموال الشعب العراقي وتدمير بناه التحتية.
إن المتتبع للتشكيلات السياسية في العراق في إطار العملية السياسية التي تدعي مناصرة حقوق الشعب أو من تدعي المعارضة يجدها عبارة عن دكاكين ببغاوية تردد نفس الشعارات وتخطب بنفس الخطاب وسيجدها تشكيلات مناطقية لا وزن ولا أثر لها, ولا تمتلك مشروعا وطنيا متكاملا, بل إنهم وليدو الصدفة خلقوا في ظلام الفوضى التي تضرب أطناب العراق وأنهم جزء من الممثلين في السرك السياسي الذي أوجده الاحتلال ولو تتبعنا مسار شخوصها لوجدناهم خرجوا من كنف بعض الأحزاب المارقة أو من الذين سُخروا لفتح الدكاكين لخداع الناس ثم يغيروا لدكان آخر مع كل منعطف يمر به العراق.
فقد اتضح للجمهور أن المتسلقين الجدد أصحاب الدكاكين الجديدة ما هم إلا علامة تجارية مقلدة من دكاكين سابقة وهو ما تسبب بعزوف الجمهور عن المشاركة بالانتخابات وعدم التصويت لا للدكاكين القديمة ولا نسختها الجديدة كونهم خرجوا من تحت عباءة واحدة, كما أن مواقع التواصل تعج بالدكاكين التي تنادي بالسياسة أو حقوق الإنسان وإن كل متتبع لهذه الدكاكين يجد أن الرعاة هم أنفسهم الذين انصب عملهم على فتح هذه الدكاكين واحتكارها لصالح مصالحهم الشخصية دون الاكتراث للجمهور العراقي, وإن هذا النوع من الدكاكين الفيسبوكية أو التويترية أغلبها تعود لشخوص يدعون المعارضة لا قيمة ولا وزن لهم في الساحة وأنهم متلونون ومتسلقون لكل حراك شعبي وبعضهم من الذين كان يشكك في حراك شعبنا, بل ويكذبه أول انطلاقته حتى تنامى وتصاعد وأصبح شمسا لا يحجبها غربال، فبدأ الدعي يتسلق في محاولة لسرقة إنجازات الشباب المضحي بدمه وروحه, وهؤلاء لصوص الثورات لا يختلفون بشيء عن لصوص العملية السياسية.
ولذلك كان الحل الأمثل كما طرحته بعض القوى المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية: هو بمشروع وطني متكامل الأركان يقوم على الخبرة والطاقة يوحد أبناء الشعب العراقي تحت خيمة واحدة، يتساوى العراقيون فيه بالحقوق والواجبات ويضم نخبة من كافة الأطياف العلمية والمهنية والفكرية الذين يوحدون الأهداف والرؤية والرسالة بخطاب وطني لا تشوبه شائبه وقرار عراقي داخلي وإرادة شعبية ليكون بمثابة سفينة النجاة للعراق ويضم في طياته كافة الحلول للمشكلات التي تعصف بالعراق وتكون هذه الحلول قائمة على معرفة ودراسة معمقة لتكون حلولا دائمية وليست ترقيعيه متهالكة, تبدأ بمشروع بناء الإنسان وإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة وإزالة كافة مخلفات الساسة الطائفيين مرورا بالبناء السياسي والاقتصادي والتربوي والتعليمي والأخلاقي وصولاً إلى أصغر التفاصيل المكونة للمشروع التي تمثل آمال وتطلعات شعبنا وتكون كفيلة ببناء وطن تكون السيادة والقرار الوطني والإرادة الحرة المستقلة الوطنية والعيش الكريم الآمن للشعب وضمان مستقبله أول أهدافه.