الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التجاذبات الإقليمية والدولية وأزمة التشكيل الوزاري في بغداد


إياد العناز

تبقى حكومة بغداد من أكثر الحكومات في العالم تعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية انعكست بصورة واضحة على طبيعة الأداء اليومي لها من خلال التكليف الوزاري الذي جاءت به العملية السياسية وأفضت إلى تشكيل سبع حكومات لم تستطع أن توضع أي مرتكزات أساسية للعمل والتواصل ضمن منهاج علمي وبأطر واضحة تؤدي الى إنضاج سياسة عملية ومنهاج واقعي لمعالجة جميع الأزمات التي مر بها العراق بعد الغزو الأمريكي واحتلال أراضيه في 9 نيسان 2003 وما تلاها من عمليات عسكرية ومواجهات مع أبناء الشعب العراقي المجاهد أدت الى تفتيت المجتمع العراقي وإضعاف أواصره الاجتماعية والتأثير على نسيجه الاجتماعي المتماسك وتعميق صور الطائفية التي احتضنتها الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية واعتبرتها إحدى الوسائل النفعية لمصالحها الذاتية في رسم معالم السياسة القائمة في بغداد والتي أصبحت تشكل عبئا وثقلا كبيرا على كاهل المواطن العراقي الذي عانى الكثير من الظلم والتعسف الاجتماعي والاضطهاد والملاحقات الأمنية والقتل العشوائي وعمليات الاغتيال السياسي وحلات إلقاء القبض والخطف والتغيب القسري .

هذه الصور المؤلمة والوقائع الميدانية أثرت بشكل كبير على طبيعة الحياة اليومية التي يعيشها أبناء الشعب العراقي وبقيت حكومات الاحتلال عاجزة عن كيفية مواجهتها لافتقارها لقيادات ميدانية تحتكم الى رؤية واضحة وأساليب واقعية ومنهجية في العمل تساعد على حل هذه المشاكل المستعصية وأصبحت صورة مؤلمة لواقع اتسمت به أوضاع البلاد بعد الاحتلال الأمريكي وإطلاق يد العنان للنظام الإيراني في تمدده ونفوذه على الأرض العراقية وتدخله في مسارات القرارات المتخذة من قبل الحكومات المشكلة في بغداد بما يتلاءم ومصالح وأهداف نظام طهران التوسعي في المنطقة العربية منها العراق .

تأتي هذه الأوضاع لتشكل مرحلة عصيبة من حياة العراقيين نستطيع أن نقول عنها أنها فترة مظلمة وبأساليب قمعية وبانعدام للضمير الإنساني والقيم الأخلاقية استهدفت البلاد ومنعت العراقيين من حقوقهم ورسم صور الحياة الكريمة التي يتطلع اليها الجميع في سبيل تحقيق غد أفضل ومستقبل مشرق للأجيال القادمة، ولكن طبيعة وأهداف الأحزاب السياسية المسؤولة عن تشكيل هذه الحكومات كانت تضع دائما في فكرها وسياستها مصالحها الفئوية والحزبية والحفاظ على عملية تسيدها لطبيعة الحكم القائم في بغداد.

بقيت صور التدخلات الإقليمية والدولية هي العنوان الأبرز لتشكيل أي حكومة في بغداد وكانت أخر المحاولات ما لمسناه خلال هذه الفترة الزمنية من حياة العراقيين حيث تشهد الساحة السياسية العراقية غياب حكومة فاعلة وبمنهاج وزاري معلوم وبأسس وركائز لإدامة زخم الحياة في بغداد مع غياب واضح لكيفية معالجة هذه الأزمة التي مر عليها أكثر من (200) يوم وأصبحت تشكل حالة سلبية بعد استقالة عادل عبد المهدي وفشل مكلفين في تشكيل الوزارة القادمة وتشابك المصالح الدولية والإقليمية في تحديد مسارات التشكيل الوزاري القادم واتخاذه أكثر من وسيلة ومعالجة بما يحفظ مصالح جميع الأطراف العاملة في بغداد.

الرؤية الميدانية للإدارة الأمريكية تعمل على تعزيز تواجدها والحفاظ على مصالحها وليس رغبة في تعزيز الجانب الإصلاحي في حياة العراقيين فهي عندما تشير الى عملية التدخل في الشؤون الداخلية إنما تعني به الهيمنة والنفوذ الإيراني وسيطرة أدواته ووكلائه على مقاليد الأوضاع في العراق وهي تدرك حقيقة وجود هذا النظام إنما يؤدي الى إحداث صورة من الخلل في التوازن الاستراتيجي بالعلاقة بين واشنطن وطهران على مساحة النفوذ في العراق.

أمام هذه الرؤية الأمريكية لدعم تشكيل حكومة قادمة اتخذ النظام الإيراني في 26 نيسان 2020 توجها جديدا للتأثير على طبيعة الأوضاع القائمة في بغداد ولكي يعزز قدرته في رسالة موجهة لواشنطن بأنه لا يزال يمتلك مفاتيح اللعبة السياسية في العراق فسعى الى الإعلان عن تشكيل فصيل عراقي مسلح جديد تحت مسمى (الجيش الإسلامي للمقاومة ) يرتبط بقيادة الحرس الثوري الإيراني وهو عبارة عن فكرة ومقترح مقدم من قبل قاسم سليماني قبل مصرعه في الثالث من كانون الثاني 2020 على أن يكون ارتباط هذا التشكيل إداريا وماليا وعسكريا بفيلق القدس والقيادات الميدانية للحرس الثوري الإيراني وتعمل جميع العناصر المنتمية اليه على قطع أي علاقة سابقة لها مع أي جهة حزبية وعسكرية وحكومية كانت تعمل معها، وجاء هذا الإعلان متزامنا مع التكليف الوزاري الذي يسعى فيه مصطفى الكاظمي للنجاح في مهمته لإعلان حكومة قادمة وهو لا يزال يواجه عدة اتهامات من قبل فصائل ومليشيات ولائية ترتبط بالنظام الإيراني تحمله مسؤولية مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في حادث المطار المعروفة وأنها ترى أنه لا يزال متهما بارتكاب جريمة كبرى لم يثبت براءته منها وليس لديه القدرة على التحكم ومواجهة الأزمات الحالية التي تمر بها البلاد وعدم امتلاكه القدرة على مواجهة الصعاب التي تلاحقه أثناء وبعد التشكيل الوزاري .

تسارع الأحداث في بغداد وتطور الأوضاع وعلاقة الأحزاب السياسية فيما بينها شكلت محورا أساسيا في عملية استمرار الضغط الدولي والإقليمي لوضع نهاية لعملية تشكيل الحكومة في بغداد لم تتمكن فيه أحزاب السلطة من التوافق السياسي ضمن رؤية مشتركة لانعدام حالة التفاهم بينهم وتغليب المصالح الحزبية الفئوية على عملية إيجاد وسيلة لإنهاء هذه الأزمة السياسية ولهذا سعت واشنطن للتدخل مرة أخرى وإعطاء دعم غير منظور للكاظمي في سعيه لإعادة ترتيب أوضاعه ولقاءاته وحواراته مع مسؤولي الأحزاب السياسية عندما أعلن مسؤول في الخارجية الأمريكية عن تجديد واشنطن للإعفاء الممنوح للعراق لاستيراد الطاقة الكهربائية الإيرانية لفترة زمنية أمدها شهر واحد وهي تريد من تحديد هذا الاستثناء أن تجعل الباب مفتوحا للمزيد من التوافقات السياسية التي تساعد الكاظمي على إتمام مهمته وتدعيم اختيار القوى السياسية له وتوجيه إشارة واضحة بعدم التوسع في العلاقة مع إيران والحفاظ على علاقة متوازنة بين واشنطن وطهران، والإيحاء للمسؤولين الإيرانيين من قبل الإدارة الأمريكية بضرورة القبول بالكاظمي والموافقة على تشكيل الحكومة القادمة لقاء هذا التمديد الذي سيستفيد منه النظام الإيراني بالحصول على عوائد مالية بالعملة الصعبة يتمكن من خلالها معالجة بعض الأزمات الداخلية التي يمر بها.

سيبقى المشهد السياسي العراقي رهين لهذه التجاذبات الإقليمية والدولية ومصالحها الميدانية في العراق كونها تحدد مسارات الأهداف الاستراتيجية القادمة والأهداف الحيوية لكل من واشنطن وطهران ضمن سياسة الحفاظ على التوازن في العلاقة بينهما على الميدان العراقي وبما لا يؤثر على سياسة التخادم بينهما وصولا الى تشكيل وزاري يخدم الطرفين.

مقالات متعلقة