بقلم| عمر الخليفة
تسلسل: (1) التضخم الاقتصادي
يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة تقلبات اقتصادية كبيرة نتيجة الصراعات الدولية المحتدمة والتخبط في القرارات الاقتصادية والسياسية التي انعكست سلباً على الاقتصادات العالمية؛ مما أدى ذلك إلى حدوث كوارث متداخلة عقدت من فرص إيجاد حلول خلاقة يمكنها على الأقل أن تخفف من تأثير المشكلات الاقتصادية المتداخلة, مر التضخم الاقتصادي بأربع مراحل بدأت قبل الجائحة التي كانت هي الفترة الأولى التي شهدت بداية حدوث التضخم نتيجة للسندات التي أطلقتها البنوك بشكل مكثف والذي ساهم في حدوث التضخم وكان يمكن السيطرة عليه, لكن تغاضي صناع القرار عن إيقاف التضخم عقد المشهد الاقتصادي, ثم بدأت المرحلة الثانية من التضخم أثناء أزمة كورونا التي ارتفع فيها التضخم بشكل كبير بسبب ما يسمى الإعانات التي أطلقتها الدول لمواجهة الوباء وهو ما أدى إلى ارتفاع التضخم وسط تغاضي متعمد من قبل الدول وعدم الشروع بمعالجة التضخم بحجة الانشغال بمواجهة الوباء, ثم جاءت المرحلة الثالثة بعد انتهاء الإغلاق العالمي التي ارتكبت فيها البنوك المركزية كارثة كبيرة عندما حفزت الأصول من خلال رفع قيمتها وهو ما سرع من وتيرة التضخم بشكل مرعب؛ فضلا عن تهافت الناس لعمليات الشراء المفرط, والمرحلة الرابعة هي الغزو الروسي لأوكرانيا الذي ساهم بارتفاع التضخم وتشابك الأحداث الاقتصادية.
والتضخم هو مفهوم يستخدم للإشارة إلى الحالة الاقتصادية والتي تتأثر بارتفاع أسعار السلع والخدمات مع حدوث انخفاض في القدرة الشرائية المرتبطة بسعر صرف العملة والتي تؤثر في قطاع الأعمال وتحديداً في الشركات الصناعية والخدمية، كما ويعني أيضا زيادة في حجم النقود في السوق والذي ينتج عنه فقدان للقيمة الحقيقية للعملات، ويقابله ارتفاع في سعر السلع والخدمات في الأسواق التجارية, ويقسم التضخم إلى خمسة أنواع هي "تضخم الأسعار, تضخم الدخل, تضخم التكاليف, التضخم النقدي, تضخم الإتمان المصرفي".
إن تصاعد حدة التضخم جعل العالم في حيرة من أمره مما حدا بالبنك الفدرالي الأمريكي الذي يرأسه جيروم باول إلى رفع سعر الفائدة أكثر من مرة في محاولة منه لكبح جماح التضخم وتقليل القروض, ورغم الرفع لأسعار الفائدة إلا أنها لم تحقق الهدف منها؛ فما زال التضخم يواصل صعوده مسببا الكثير من المشكلات التي بدأ انعكاساتها على قطاع النقل الجوي الذي يشهد عمليات إضراب عن العمل بعدد من الدول أبرزها بريطانيا وألمانيا.
وعملية رفع سعر الفائدة بالحقيقة هي ليست المعالجة الحقيقية للتضخم, ولكن الأمريكان يحاولون تحقيق ثلاثة أمور من خلال هذا الأمر وهي:
أولا: محاولة تصدير الأزمة إلى الدول الريعية الغير قادرة على مجابهة التضخم والتخفيف من حدته لديهم. والثاني: جذب المستثمرين الباحثين عن زيادة في أرباحهم. والثالث هو الأخطر: تأجيل حدوث الكارثة التي ستلقي بظلالها على اقتصادات العالم التي في الأساس تعاني التهالك جراء أخطاء تراكمية متعاقبة أدت إلى تفاقم الوضع الاقتصادي ليصبح كل بلد في العالم يعاني مشاكل اقتصادية داخلية وخارجية.
إن ارتفاع نسبة التضخم إلى مستويات خطيرة لم يصلها منذ أربعة عقود خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، والغزو الروسي لأوكرانيا، وتراجع الإنتاج العالمي في السلع والخدمات، وغياب الحلول الحقيقية؛ سيزيد في استمرار مواصلة ارتفاع نسب التضخم بشكل مخيف؛ ولذلك أعربت البنوك الكبرى ومنها البنك الأوروبي عن مخاوفه فاعترف بحقيقة استمرار التضخم بالصعود رغم رفع أسعار الفائدة في العديد من البلدان حول العالم التي كانت تنظر إلى البنك الفيدرالي الأمريكي وتتخذ نفس إجراءاته, مع أنه قد ثبت أن رفع سعر الفائدة قرار خاطئ ولا يجدي نفعا أمام التضخم المستمر بالصعود الذي لن يعود لما كان عليه قبل هذه الأزمة الخطيرة، وأن الاقتصاد العالمي مقبل على سقوط حتمي.