بقلم| عمر الحلبوسي (كاتب وباحث سياسي)
منذ عام 2003 تنتعش التجارة خارج نطاق القانون والتهرب من السلطة بشكل كبير حتى أصبح العراق أكبر ساحة لتصريف الاقتصاد الأسود الذي يشكل ثلاثة جوانب رئيسة، الأول تجارة الممنوعات التي يحظرها القانون؛ والثاني تجارة السلع والخدمات التي لا تخضع للمعالجات القانونية والضريبية. والثالث غسيل الأموال والتكسب بشكل غير قانوني.
وفي العراق ترعى الأحزاب الحاكمة والميليشيات الاقتصاد الأسود وتحتكره لصالحها وتمنع دخول أي شخص من خارج البارونات المعروفة التي تعمل في نفس المجال، ويعود سبب الانخراط في هذا الاقتصاد إلى المكاسب المالية الكبيرة من هذه التجارة التي تعود بالنفع الكبير والفاحش على البارونات وتضر بالدولة والمجتمع.
وقد شرعت الأحزاب الحاكمة والميليشيات بتأسيس الاقتصاد الأسود في العراق وتحويله لساحة لعب دولية، وتتجسد مخاطر هذا الاقتصاد المشؤوم بسيطرة الميليشيات عليه وقيادته. وبالدماء التي تسفك لحماية هذه الاقتصاد، الذي يدعم الإرهاب ويمول الميليشيات والأحزاب المتنفذة التي دمرت الاقتصاد العراقي مقابل تأسيسها هذا الاقتصاد الأسود الذي تحتكره بنادق معينة، وللخوض في تفاصيله سأجزئ أقسام هذا الاقتصاد الإجرامي إلى:
- تهريب الوقود
يشهد العراق أكبر عمليات تهريب للوقود في منطقة الشرق الأوسط بتسهيل من بعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة التي تعتاش على سحق الشعوب الأخرى وسرقة خيراتها، عن طريق تهريب النفط الذي تمارسه الميليشيات والأحزاب الحاكمة في بغداد وإقليم كردستان؛ من خلال سيطرتهم على الآبار النفطية وتحكمهم بها؛ فضلا عن التلاعب بعدادات النفط لإخفاء سرقاتها؛ مدفوعين بفتاوى مرجعية هذه الأحزاب التي تبيح سرقة النفط بدعوى كاذبة مخالفة للشريعة والقانون بأن النفط لا مالك له، مما ساهم في انتعاش سوق تهريب النفط في العراق تجاه تركيا وإيران؛ وقد شكل هذا الاقتصاد المشؤوم إمبراطورية اقتصادية هائلة للأحزاب والميليشيات على حساب الشعب والدولة التي تسرق خيراتها وأموالها.
- تجارة المخدرات
بعد ما كان العراق البلد الوحيد في العالم الذي يخلو من تعاطي المخدرات وتجارتها لسنوات عدة جاءت أحزاب السلطة والميليشيات التي تحكم منذ عام 2003 لتجعل العراق ساحة كبيرة لتجارة المخدرات وزراعتها وتصنيعها وتهريبها إلى الدول الأخرى، وقد اعترفت وزارة الداخلية بأن نصف الشباب العراقي يتعاطى المخدرات القادمة من إيران لتحويل المجتمع العراقي إلى مجتمع لا يعي ما يدور حوله، وإيران أبرز المستفادين من هذه التجارة السوداء التي حولت العراق لبؤرة من المخدرات ظهر تأثيرها بارتفاع كبير لجرائم القتل والسرقة والتفكك الأسري.
وتشهد المدارس والجامعات العراقية انتشارًا كبيرًا للمخدرات التي أصبحت تباع من قبل أشخاص تابعين للأحزاب والميليشيات وبتسهيل وتغاضي من قبل رئاسات الجامعات التي كانت قد شخصت تعاطي المخدرات بشكل كبير منذ عام 2018 بين صفوف طلابها ولكلا الجنسين، لكنها لم تحرك ساكنا لمنع هذه الظاهرة، وقد أجهضت حكومة بغداد مشروعًا دوليًا أمميا يفضي بدعم العراق في محاربة المخدرات؛ تقدمت به أكثر من 47 دولة عام 2018، وتكفلت الأمم المتحدة بدعم هذا المشروع ماليًا بالكامل، لكن حكومة الميليشيات والأحزاب عطلت المشروع؛ مما أدى إلى انسحاب هذه الدول لقناعتها بعدم جدية العراق في محاربة المخدرات؛ وقد كشفت تقارير حقوقية وإعلامية محلية نأن سيارات وزارة الداخلية والدفاع والمواكب البرلمانية ومواكب المعممين، هي من تنقل هذه المخدرات؛ فضلا عن زراعة المخدرات في مناطق سنجار وسهل نينوى وجرف الصخر التي هُجر أهلها منذ عام 2014 على يد ميليشيا الحشد الشعبي، وبذلك يكون العراق وشعبه من أكبر الخاسرين من هذه التجارة السوداء التي تعد أحد أكبر أعمدة الاقتصاد الأسود المدمر للاقتصاد الوطني العراقي.
- تجارة السلاح
يشهد العراق صراعًا كبيراً بين الأحزاب والميليشيات الحاكمة التي انعشت تجارة السلاح بالعراق بشكل كبير عبر بارونات حزبية وميليشياوية جعلت من العراق مجتمع مسلح يعج بالجريمة المنظمة التي تزداد بمعدلات مرعبة، وقد شهد العراق ارتفاعا ملحوظا بالنزاعات العشائرية في مناطق الوسط والجنوب باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وأحيانا الثقيلة، وتشير بعض التقارير إلى أن سلاح العشائر المدعومة من الميليشيات أقوى من سلاح قوى الأمن الداخلي، حتى أصبح العراق واحدًا من أكثر البلدان التي تشهد رواجا لتجارة السلاح خارج نطاق السلطة والقانون، من خلال سيطرة الأحزاب والميليشيات على المنافذ الحدودية واستغلالها لتجارة السلاح الذي تستورده البارونات من مصادر التجهيز في (لبنان وإيران وروسيا وتركيا والكيان الصهيوني) ويدخل السلاح الصهيوني إلى العراق عبر لبنان عن طريق أكبر المهربين المدعو (نوح زعيتر)
فالاقتصاد الأسود هو أشبه بالسرطان الذي ينهش الجسد العراقي وقد ساهم بتدمير الاقتصاد الوطني العراقي وانتشار الجرائم بمعدلات مرعبة فضلا عن التفكك الأسري والنزاعات المجتمعية وسرقة خيرات الشعب؛ كل هذه من إفرازات الاقتصاد الأسود الذي يتزعمه قادة الميليشيات والأحزاب الإجرامية خدمة لبعض الدول الإقليمية وإثراء للبارونات التي كونت إمبراطورية مالية هائلة من الاقتصاد الأسود المحمي بالسلاح المنفلت وسفك الدماء.