الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الإمبراطورية الفارسية والتوسع المذهبي في الوطن العربي

الإمبراطورية الفارسية والتوسع المذهبي في الوطن العربي

ثائرة أكرم محمد/كاتبة وباحثة

لم أكن يوماً ممن لا يدرك خطر المشروع الإيراني على المنطقة العربية والعراق بالأخص ولم أكن يوماً ممن لا يقرأ التاريخ الطويل لإيران لفرض أجندتها ومشروعها على العرب وجعلهم حطباً لتنفيذ مشروعها.

في الجانب القومي يستحضر الذهن العربي الرائج النزعة الفارسية التي يحملها وزر ما عرفه ذلك التاريخ من إشكالات وصراعات وحروب وتصفيات ومؤامرات، على اعتبار أن الاتجاه الفارسي لم يمت وكان واضحاً في طيّات التاريخ أنه يبحث عن ثأر من العرب الذين أسقطوا الإمبراطورية الفارسية، مستخدماً أشكالاً عدة مختلفة من التكتيكات.

وعلى صعيد المذهب فإيران الطائفية متهمة تاريخياً بالتآمر على العرب السنة، وهنا لا يحضر الصفويون وإرغام الناس على الطائفية وفرضهم اتباع مذهب معين وفي السيطرة على بغداد ومحاربة الخلافة العثمانية وحسب؛ وإنما أيضاً عبر استحضار تاريخي لجوانب الاختلاف والصراع أو ما يعبّر عنه بالتآمر الفارسي المغطى بالدين عموماً وبالمذهبية خصوصاً.

إيران عرفت ذلك التغيير النوعي وهي تطرح شعارات تصب في منحى النضال العربي ضد الصهيونية والهيمنة الخارجية ولأن العراق بنظامه المسقط قسرياً بقوة الغزو الخارجي وبتواطؤ إيراني وعربي مفضوح هو الآن خارج دائرة التقويم والبحث ولأن جزءاً مهماً من المسؤولية يقع على نظم الاستبداد والتسوية والتبعية وهو أمر سنضعه جانباً فإننا سنتوقف عند المواقف الإيرانية بوصفها مفارقات تحتاج إلى أجوبة موضوعية بعيدة عن الأحكام المسبقة والاصطفاف الآلي.

سنضع جانباً ما يعرف بفضيحة إيران حين أقدمت إيران وبوساطة إسرائيلية على عقد صفقات كبيرة للتسلح من أمريكا وإسرائيل وما بدا يومها وحتى الآن تناقضاً صارخاً بين الأقوال والشعارات كدليل إثبات قاطع على تواطؤ إيراني مستديم مع الأمريكان والصهاينة ومعاداة العرب لكن من تحت الطاولة.

لكن العلاقة الإيرانية السورية تثير اللبس ليس من منطلق الوقوف ضد علاقة كهذه، بل لما تحمله من مفارقات تستتبع غيرها، فالثورة الإيرانية تعتبر على طول الخط أن البعث حركة علمانية كافرة معادية للإسلام ويجب استئصالها، النظام الحاكم في سورية يطرح نفسه نظاماً بعثياً بل إنه الوريث الشرعي الوحيد للبعث أكثر من ذلك وطوال سنوات الصراع بين جناحي البعث الحاكمين في سوريا والعراق كان البعث السوري يعتبر نفسه ممثلاً لليسار متهماً الآخر باليمينية، أي إنه أقرب إلى العلمانية وأبعد عن الإسلام.

وسط زخم الانتصار والغلو في التعبئة الحاقدة ضد الآخر السني كان شعار تصدير الثورة نتاجاً طبيعياً يحقق ترحيل المشكلات الداخلية وتصديرها من جهة وتواصل الحقن الطائفي الداخلي لعموم الشيعة بحثاً عن استقطابهم وتعبئتهم بما كشف وجود مشروع إيراني توسعي يعمل على عبور الحدود وضمّ عدد من البلدان العربية إليه. وسط زخم الانتصار والغلو في التعبئة الحاقدة ضد الآخر السني كان شعار تصدير الثورة نتاجاً طبيعياً يحقق ترحيل المشكلات الداخلية وتصديرها من جهة وتواصل الحقن الطائفي الداخلي لعموم الشيعة بحثاً عن استقطابهم وتعبئتهم بما كشف وجود مشروع إيراني توسعي يعمل على عبور الحدود وضم عدد من البلدان العربية إليه. وهي حالة تستند إلى فلسفة دينية خاصة ملتبسة منها على التحديد ولاية الفقيه، فولاية الفقيه وظهور المهدي المنتظر بعد غيابه مئات السنين ثم ابتداع الإنابة عنه في غيبته بحيث اخترعوا أن ينوب عنه آية الله العظمى الذي صار بعد قيام الثورة المرشد الأعلى، ليجعلوا له سلطات مطلقة تسمح له بالتجييش وإصدار الفتاوى التي لا تُرد، ومن ثم وجود نظام استبدادي المحتوى، شكلي بما يطرحه من انتخابات فيها نوع من المنافسة.

عموم التيارات اليسارية والقومية العربية وإن أبدت نوعاً من الترحيب الأولي بقيام الثورة وانتصارها إلا أنه ترحيب حذر وملتبس، ولهذا لم تتعامل معها باطمئنان وبقلب وصدر مفتوحين، فالقوى الشيوعية الرسمية ترى في الحركات الدينية أيّاً كانت حركات مضادة للتقدم والفكر العلمي ولحركة التاريخ ومضمون الثورة بل قطعاً لطريق التطور الطبيعي وربما حرفاً وتشويهاً واغتصاباً لها.

أما القوى القومية الحاكمة منها بالخصوص فقد كان حذرها أكبر وأكثر علانية؛ لأن أن عدداً منها اعتبر الحالة الإيرانية التي تقتحم ميدانها العربي بقوة زخم الثورة وشعاراتها النارية وبخاصة حول الصراع العربي الصهيوني ورفض التسوية مع إسرائيل حالة دخيلة بديلة ملغومة.

أكثر من ذلك ففي ثقافة تلك المدرسة حضور وإحضار قويين للتاريخ العربي وفقاً لنسق من الأحكام والنهج والتفسير الذي انتشر وساد أي لما يعتبر عوامل ضعف الإمبراطورية العربية الإسلامية وتفككها وانهيارها التي لعبت الشعوبية فيها دوراً تآكلياً تآمرياً منظماً، فكان تعبير الشعوبية يرتبط في أذهان أبناء هذه المدرسة بغير العرب من المسلمين على العموم وبالفرس بشكل خاص، وهو يثير التوجّس والعدائية تاريخياً وفي استحضاره الدائم والتشديد عليه وعلى دوره كلما لزم الأمر

ومع الغزو الأمريكي السافر للعراق والموقف المخزي للأحزاب الشيعية ومن خلفها إيران وإقحام حسن نصر الله نفسه في الشأن العراقي آنذاك لإنهاء المؤامرة وإدانة المقاومة العراقية وتوصيفها بالتكفيرية أو الصدامية، والإشادة برموز التعامل مع المحتل كالحكيم والجعفري والمالكي وحالة الإرباك الواضحة في التعاطي مع الشأن العراقي بالعموم ومع المقاومة الوطنية على وجه الخصوص ثم عدم الاكتفاء بتأكيد التحالف مع سوريا وإيران والاعتراف بمساعداتهما ودعمهما وإعلان التحالف الدائم مع النظام السوري ورأسه في أحرج الأوقات التي انتفض فيها عموم الشعب اللبناني على اغتيال الرئيس الحريري بتلك الطريقة الوحشية وانفجار المخزون الشعبي على الممارسات القمعية الصفوية النهبية للوجود السوري الاتهامات كبيرة بأنه ضالع في الاغتيال.

عند العودة إلى الحالة الإيرانية فإن الخوف من جانبها الطائفي وما تفعله في مناطق وجود الشيعة فتح الأعين على صراع جديد، طالما جرت المحاولات لتجنّبه أو القفز فوقه وقد تصاعد ذلك الخوف وانتشر طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية وتموضع في أكثر من بلد واتخذ أكثر من شكل حتى إذا ما جرى احتلال أفغانستان ومن ثم العراق أزيح الستار عن عدد من الأغطية وانبلج وضع جديد منذر .

العراق والذي استكمل الركن الثالث، بفتح أبوابه للنفوذ الإيراني مع سقوط بغداد في أبريل 2003 فالشيعة كانوا يعيشون واقع المظلومية خاصة بعد حرب الخليج الثانية في 1990 وكان تفكك الدولة الركن المهم بالنسبة لوجود إيراني مؤثر وواضح لا يناور ولا يستتر في العراق ومن الباب نفسه ومع صعود النزعة المسلحة للجماعات الإسلامية في سورية والوجه السلفي المتعصب الذي حملته المدخل لوجود إيراني في تحالف جزء منه مع طائفة يراها الشيعة أنفسهم خارج أطيافهم بالكامل.

نعم الحالة الإيرانية بعد احتلال العراق بالتحديد ثم بعد الثورة السورية الكاشف الأكبر هي في موقع الاتهام من جمهور عربي عريض لا يمكنه أن يهضم الذرائع والتسويقات التي تطرح كلها حول الموقف مما يجري في العراق، ثم امتدادات هذه الحالة في لبنان وسورية.

ويجب الاعتراف بأن النظم القومية التي لا تعترف بوقائع المذهبية وتأثيراتها التي عملت بسياسة القفز فوقها وطرح الانتماء القومي بديلاً وبديلاً قسرياً فشلت في الأغلب في تحقيق أيّ من أهدافها الكبرى المعلنة كالوحدة والحرية والاشتراكية وفشلت أكثر في إحداث تحولات بنيوية في المجتمع باتجاه الحداثة والعصرنة النابعتين من جوهر البنى القائمة وباتجاه تطويرها وتخليصها من مصدّات عزلتها وكوابحها وليس من تصورات افتراضية وكان فشلها الأكبر في تحقيق المواطنة والمساواة بين السكان وفي إشاعة الديمقراطية والتعددية بدل الشمولية والأحادية اللاغيتين للآخر بوسائل الإلغاء الدموية والتصفوية والقمعية كلها فالنظم المحافظة تمارس تمييزاً واضحاً للشيعة في مناطق وجودهم معظمها بما يخلق تربة خصبة لتأييد الشعارات الإيرانية.

التشكيك كبير ويجد مسوغاته المنتشرة عند جمهور العامة في الخصوصية المذهبية الإيرانية وما يمكن أن يَركب ويُركَب عليها من صفحات التاريخ المليئة بالصراع والتناحر والتنابذ والتعبئة الطائفية أو القومية الفارسية المواجهة للقومية العربية حين يختلطان لتشكيل مشروع قومي بغلاف ديني والخوف الدائم منه أن يكون على حساب العرب أو عبر مزيد من الانقسامات المذهبية والتهيئة لمقومات الحرب الأهلية في أرض صارت شديدة الخصوبة لها وقابلة لفعلها بشعارات خلّبية متلونة ولمصلحة قوى داخلية وخارجية تستثمرها ووسط حالة شعبية تتسم بالعودة إلى إرث القرون من الحراب والاقتتال.

هذه العناوين تطرح أسئلة كبرى حول حقيقة المشروع الإيراني ونقاط تقاطعه مع البعد الإسلامي والمذهبي والقومي، ما يزيد انقسام الشارع العربي وقواه السياسية بين مؤيد معجب بهذه السياسة الممانعة التي تكاد تكون وحيدة وسط الاعتدال العربي المنبطح والانهيار شبه الكلي وغياب المشروع العربي ولو بحدود التضامن التي ترفع رايات فلسطين والمقاومة، ومن يشكك حتى الاتهام بالخلفيات والطروحات كلها، ويرى فيها فخاً مرتباً بعناية لغواية الأمة واستثمار تلك الشعارات في مشروع خاص لن يكون معيناً للأمة العربية بل قد يكون وبالاً عليها.

لم تكن المشكلة يوما في طهران التي وجدت جميع فضاءاتها مغلقة أمام تنافس الأتراك والصينيين والروس في آسيا الوسطى وباكستان، لتجد في المنطقة فرصة في ظل تغيب جميع المشروعات الحقيقية، وحالة الإحباط والتربص المتبادل التي أصبحت تخيم على سمائها خاصة بعد حرب الخليج الثانية التي أطلقت رصاصة الرحمة على المشروع القومي العربي لتترك العرب من غير أي مشروع يستطيع أن يوفر الحد الأدنى من التماسك والترابط المطلوبين، في وقت أصبحت فيه المنطقة أرضا لصراعات الجميع المباشرة وغير المباشرة، مع استمرار الفشل في تأسيس الحدود الدنيا من ثالوث العيش والحرية والعدالة الاجتماعية في الدول العربية، حتى لو أتى ذلك جزئيا أو حتى شكليا.

الأسئلة كثيرة وتبدو قابلياتها للانتشار كبيرة وأهمها هل نحن مثلاً أمام مشروع إمبراطوري إيراني يستغل التفتت والهزال والانهيار العربي والهجمة الأمريكية الصهيونية على المشرق العربي لإقامة دولة إمبراطورية تُخضع دول المنطقة وتفاوض الأمريكان من هذا الموقع فيكون لها حصتها الكبيرة محاصصتها في الشرق الأوسط الكبير إذا ما قام أو موقعها المؤثر في العراق والخليج الغني بثرواته النفطية وبخاصة أن عدداً من الدراسات تؤكد أن مخزون النفط الإيراني ليس كبيراً وأنه معرض للنفاذ خلال زمن قصير قد لا يتجاوز خمسة عشرة عاما هل الهدف هو التوازن مع الكيان الصهيوني أم تشكيل رادع يمنع الولايات المتحدة والغرب من التفكير بالاعتداء على إيران أم أن إيران نووية ستكون قوة إقليمية يحسب حساباتها في مشروعات المنطقة التي هي على حساب العرب من دون غيرهم.

ما نريد قوله هو أن على عقلاء الأمة أن يعيدوا ترتيب أولوياتها بحيث لا تدفعنا مواجهة المشروع الإيراني نحو تجاهل مخاطر المشروع الأميركي الصهيوني الذي كان ولا يزال الأكثر تهديدا للحاضر والمستقبل في آن فضلا عن دعمه لاحتلال فلسطين التي ينبغي أن تبقى قضية الأمة المركزية حتى لو انشغلنا عنها مؤقتا بالربيع العربي ولاسيما المواجهة مع رئيس سوريا بشار كحليف إستراتيجي لإيران وكنقطة انطلاق نحو إعادة الأخيرة إلى حجمها الطبيعي كجارة للعرب إلى جانب تركيا الركن الثالث في المنطقة..

مقالات متعلقة