سامي البدري
إنها ليلة أخرى يتمنى فيها العراقيون، لو أن يد الشيطان تمتد فيها لإنقاذهم مما هم فيه، بعد أن امتدت يد الشيطان الأمريكي لإنقاذهم، في ليلة التاسع من إبريل/نيسان عام 2003.. ولكنها أخذتهم لجحيم أكبر وأعمق للأسف، جحيم إيران وميليشياتها وأحزابها الأشد توحشاً وفتكاً.
إيران تقيم لنفسها دولة في المنطقة الخضراء في قلب بغداد، يحميها اثنان وخمسون ميليشيا مسلحة وجيش وخمسة أنواع من الشرطة، وعلى بعد بضع خطوات من السفارة الأمريكية، ولكن المزاج الأمريكي لا يراها، وكذلك لا يرى الشعب الثائر، على الضفة الثانية من نهر دجلة، فماذا يرى المزاج الأمريكي الآن يا ترى؟
ولأكمل صورة المزاج الأمريكي، أنقل وبقلب حزين ومكلوم، ما قاله إياد علاوي، رئيس وزراء سابق في سلسلة حكومات الاحتلال من على شاشات الفضائيات، «دخل عليّ مدير مكتبي ليخبرني أن السفير الأمريكي يطلبني إلى مكتبه، فقلت له إخبره أنني رئيس وزراء دولة، وهو من يجب أن يأتي إليّ عندما يريد مقابلتي» وهذا يعني أن سفير أمريكا ليس قادراً على استدعاء عادل عبدالمهدي أو خلفه الإيراني الجديد، محمد توفيق علاوي، بل إنه قادر على أن يوجه لأيٍ منهما الأمر بالهاتف، أن يترك رئاسة الوزراء والذهاب إلى الجحيم، فمتى سيريد المزاج الأمريكي هذه الخطوة؟ الطبقة السياسية وميليشياتها ومستشاروها الإيرانيون، تعيش في برجها العاجي المحصن في المنطقة الخضراء، ومن أعلاه تنظر للشباب المحتج على إنهم مجموعة من الغوغاء والصعاليك، الذين تدفعهم السفارات (الأمريكية والبريطانية والسعودية والإماراتية) إلى إزعاجها بصراخ فارغ، وهي ليست فقط على غير استعداد لمحاورتهم أو تحقيق بعض مطالبهم، بل هي تستخدم معهم إسلوب القرض الناعم، بعدم توفير الحماية لهم أولاً، وبتوجيه ميليشياتها لاقتحام ساحات اعتصامهم، بين أسبوع وأسبوع، لقتل بعضهم واعتقال البعض الآخر، وباختطاف البعض الآخر في ساعات الليل، وتقييد كل هذه الجرائم باسم العصابات المندسة.
أمر العراق مازال مرهوناً بالمزاج الأمريكي، الذي مازال متعكراً من الشعب العراقي، بل ومازال يعاديه أيضاً
ثم جاء الأمر من مدينة قم، بوضع حد لصراخ المحتجين، الذي أزعج ولي قم، خامنئي، الذي بلغه ونفذه مقتدى الصدر، ولكن هذه المرة مصحوباً بإطلاق يد الجيل الثالث من ميليشياته، أصحاب القبعات الزرق، في ساحات التظاهر، وفي دماء المحتجين، ليثبت لوليه الإيراني إنه رجل المرحلة المتفاني، والقادر على إعادة ضبط ما أفلته غيره من الساهرين على إدامة الهيمنة الإيرانية على العراق، ولو كان الثمن حياة نصف الشباب المنتفضين. وكما عودنا الصدر، وهو الرجل الذي يجهل أبسط قواعد السياسة، ومنذ تشكيله لميليشياه الأولى (جيش المهدي) وهي أول الميليشيات التي تشكلت داخل العراق عقب الاحتلال الأمريكي، فإنه يسعى لفرض نفسه كرجل مرحلة جديدة، وكقوة حسم في مرحلة انفلات، عجزت جميع القوى عن ضبطها، متجاهلاً تغير معطيات الأرض وموازين القوى، التي فرضها الشباب المنتفض بقوة إيمانهم بعدالة مطالبهم، بإيمانه بأن قوة البطش كفيلة بإعادة كل شيءٍ إلى مكانه، وهي نظرية قائده الأعلى، خامنئي أيضاً. هذا الشاب، رغم اشتراكه في العملية السياسية وتنعمه بامتيازاتها، منذ أيامها الأولى، إلا أنه لم يتعلم من ألاعيبها شيئاً، ولم ينتبه إلى كونه يعادي جميع الأحزاب السياسية الشيعية، وإنها تتحين فرصة التخلص منه، وينهي هياجه بمعاداة الشعب كله، وهذا ما اتضح بعد ترشيحه، بأوامر إيرانية، وبالاتفاق مع هادي العامري، لمحمد توفيق علاوي لرئاسة الوزراء، وفرضه بالقوة على الشباب المنتفض، هذا الفرض الذي رافقته عملية اقتحام لساحات التظاهر، من قبل ميليشياه الجديدة، المسماة أصحاب القبعات الزرق، التي اقتحمت المطعم التركي في ساحة التحرير، وأجبرت المتظاهرين على الخروج منه، وواصلت مطاردتهم في باقي شوارع ساحة التحرير، بعد اتهام الصدر لهم بالغوغائية وضعف الروح الوطنية.
موقف إيران في العراق في أحرج مراحله، ومقتدى الصدر، الذي تدرب على إفشال وامتصاص مظاهرات الشارع العراقي السابقة، كان آخر الخيارات بالنسبة لها، رغم أنه فقد شعبيته بين أتباعه، ولم يعد يمثل الرقم الصعب في الضغط داخل الطبقة السياسية، وربما تكون اندفاعته هذه هي مرحلة ما قبل الأفول النهائي، بسبب تكشف جميع أوراق تبعيته وفساده بالنسبة للشارع العراقي المنتفض.
حركة قمع الجيل الثالث من ميليشيات الصدر، للمنتفضين، وإصرارها على إفراغ ساحات التظاهر بالقوة، لن تنال من إصرار وعزيمة شباب الانتفاضة، بقدر ما هي فضحت حقيقة تابعية وفساد نوايا مقتدى الصدر ، وإظهاره بصورته الحقيقية، التي نجح في إخفائها طوال الفترة السابقة، كونه أحد رموز الهيمنة الإيرانية وفساد الطبقة السياسية، بل وأداة القمع الأكثر شراسة ضد شباب الانتفاضة، كما أوضحت هجمة قبعاته الزرق الأخيرة على ساحات التظاهر، وحرقها لخيام اعتصامهم، واعتدائها عليهم بضرب الهراوات، وطعن السيوف والسكاكين، من أجل ترهيبهم وإجبارهم على ترك الساحات، من أجل أن يستتب الأمر لرئيس وزراء المرحلة الانتقالية، الذي أمرته إيران بتنصيبه وفرضه على الطبقة السياسية، وعلى حليفها العتيد فيها، نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، بالذات (لأن نوري الأكثر رفضاً لتنصيب محمد توفيق علاوي من بين أذناب إيران)، والذي على ما يبدو، ستكون رأسه مكافأة الصدر على قمعه لثورة الشعب، لما بين الاثنين من عداوة قديمة وخلافات وثارات، تعود إلى فترة رئاسة المالكي للحكومة العراقية.
كل هذا العبث الذي يجري تحت نظر الولايات المتحدة وتقابله بالسكوت، يدفع ثمنه المتظاهرون العزل والشعب المحكوم بقبضة الميليشيات الإيرانية المتوحشة، حتى أن الوضع وصل بالعراقيين إلى ليلة تاسع من إبريل جديدة، يتمنون فيها أن تمتد يد لإنقاذهم، حتى لو كانت يد الشيطان، رغم أن يد الشيطان الأمريكي، وهو الشيطان الأكبر القادر على صناعة هذه المعجزة، لم يقدم لهم في إنقاذه الأول أكثر من تسليمهم لوحشية الولي الإيراني وميليشياته التي أحالت العراق إلى هشيم، وهذا ما يعني أن كل أمر العراق مازال مرهوناً بالمزاج الأمريكي، الذي مازال متعكراً من الشعب العراقي، بل ومازال يعاديه أيضاً، رغم حجم جرائم احتلاله البغيض وجرائم قواته وساسته ضده.
مقتدى الصدر، وبعد أن هاجمت ميليشياته متظاهري بغداد وأحرقت خيامهم، ها هو يهاجم متظاهري مدينة النجف، ويقتل اثنا عشر متظاهر ويجرح سبعين منهم ويحرق خيامهم، فأين تعهدات صهره، محمد توفيق علاوي، بحماية المتظاهرين، وأين وعوده بانتشال العراق من فوضى مقتدى وباقي الميليشيات، وتحويل العراق إلى جنة سلام سويسرية ثانية؟ إنها ليلة تاسع من إبريل جديدة في حياة العراقيين… فأين شيطان الإنقاذ البديل عن أحزاب وميليشيات الولي الفقيه؟
كاتب عراقي