وائل عصام
رغم تعويل الكثيرين على المرشح لرئاسة الحكومة العراقية عدنان الزرفي، بصفته مقربا من الأمريكيين، إلا أن هذه الصفة تحديدا (القرب من واشنطن) كانت كافية لإسقاطه أسرع من أي مرشح آخر، فالمنظومة الإيرانية في العراق أرادت القول إنها ترفض أي تجاوز لدورها في اختيار المفاصل الرئيسية في الحكم، ولديها دولة عميقة، لا تزال قادرة على تذليل خلافات الفرقاء الشيعة في المسائل الكبرى، وتسيير السياسات، بغض النظر حتى عن هوية رئيس الوزراء، أما الأمريكيون فدورهم يتضاءل، ولن يكون مفاجئا انسحابهم من العراق نهاية المطاف.
ومن الواضح أن المشهد متجه نحو المزيد من التصعيد، بين الإيرانيين الذين يتمتعمون بتحالف مع قوى شيعية نافذة وموالية في العراق، والأمريكيين الذين يتهاوى حلفاؤهم يوما بعد يوم في العراق والمنطقة، ويبدو أن العراق لم يعد يقبل الشراكة في النفوذ بين واشنطن وطهران، ولا يحتمل «القسمة على اثنين»، خصوصا مع الإصرار الإيراني على التصعيد مع الإمريكيين للضغط عليهم من أجل الانسحاب من بقية القواعد في العراق، حيث انسحبت القوات الأمريكية من نحو 5 قواعد حتى الآن، وأطلقت الميليشيات الشيعية نسختها العراقية من فصائل المحور الإيراني، إذ أعلن في بغداد عن تأسيس «عصبة الثائرين» و»جبهة المقاومة العراقية».
يبدو أن العراق لم يعد يقبل الشراكة في النفوذ بين واشنطن وطهران، ولا يحتمل «القسمة على اثنين»
وتشير آخر دراسات مراكز الأبحاث الأمريكية، إلى وضع غير مريح تماما لواشنطن في العراق في مواجهة النفوذ الإيراني، إذ كشف تقرير معمق لمركز دراسات الحرب الأمريكي، المقرب من البنتاغون، عن أن القواعد الأمريكية تعرضت منذ اغتيال سليماني إلى 15 هجوما من قبل الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران في العراق، ويقول التقرير، إن الهجمات أظهرت عدم صحة افتراضات البيت الأبيض، بأن اغتيال سليماني سيحمي الأمريكيين، إذ فشل مقتل سليماني بردع «وكلاء إيران». ويرى المركز أن «جبهة المقاومة العراقية» و»عصبة الثائرين» تشكيلات موالية لإيران، وتسيران بأهداف سليماني نفسها نحو إخراج القوات الأمريكية. وتحاول إيران تجنب المسؤولية المباشرة عن هذه الهجمات بنسبتها لتشكيلات جديدة كـ»عصبة الثائرين». ويعتبر التقرير أن أهم أسباب الانسحاب الأمريكي من القواعد، تتلخص بالتحصن بقواعد أكبر وأكثر حماية للجنود، ويحذر من إمكانية استخدام الميليشيات الشيعية لصواريخ باليستية في هجمات مستقبلية، بعد استخدامها الصواريخ القصيرة وقذائف الهاون في هجمات سابقة.
وفي استنتاج يبدو متشائما بالنسبة لسياسات البيت الأبيض في العراق، يقول باحثو مركز دراسات الحرب الأمريكي، إنه من غير المرجح أن تحقق الضربات الأمريكية ضد الميليشيات الأثر المطلوب، بل إن المركز يذهب لأبعد من ذلك، متوقعا أن تؤدي الضربات للحشد، «لتنفير العراقيين المعارضين لإيران والنظر للفعل الأمريكي انتهاكا سياديا، وقد لا تملك الإدارة الأمريكية تبريرا للانتقام من إيران، أمام الشركاء الأوروبيين وتؤدي لخسارة مكاسب التحالف منذ 2014».
وبخصوص المرشح الرئاسي عدنان الزرفي، الذي بدا منذ اليوم الأول خارجا عن بيت الطاعة الإيراني، لمعارضة أبرز الكتل الشيعية له، استبعد التقرير الأمريكي نجاح الزرفي بتشكيل حكومته، متوقعا استمرار لعبة المرشحين البدلاء لعادل عبد المهدي، الذي أتم 4 أشهر رئيسا لحكومة تصريف الأعمال، ويظهر التقرير وصفا لعبدالمهدي بالتحالف مع الايرانيين: «قد يكتفي وكلاء إيران العراقيون بتمديد لفترة ولاية رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، لقد أثبت عبدالمهدي أنه ممثل مقبول لإيران، يمكنه العمل مع طهران وواشنطن بدون ممارسة الضغوط على دولة الظل العراقية الإيرانية». ولكن اختيار الكاظمي الذي حظي بحالة تأييد من زعماء معظم الكتل الشيعية، قد يضع نهاية لمسلسل حكومة تصريف الأعمال، خاصة أن ترشيحه جاء بموافقة الكتل الشيعية الكبرى، التي رأت أن استحقاقها انتهك بتكليف برهم صالح للزرفي. وينهي التقرير توصيفه لحالة الوضع الراهن بالعراق، بالاستشراف مستقبلا، مقدما رؤية ترجح بقاء الإيرانيين في العراق، لا الأمريكيين، قائلا،» قد يجبر التصعيدالعسكري الأمريكي ضد الحشد العراقيين على الاختيار بين أقرب الحلفاء. وسبق أن أوضحت أمريكا نواياها لمغادرة العراق، ويفهم العراقيون أن إيران ستكون جارهم للأبد، وإذا اضطروا للاختيار بين المصالح الأمريكية والإيرانية، فإن العديد من العراقيين سيختارون إيران»، بحسب مركز دراسات الحرب الامريكيISW.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»