لا داعي لإطالة الحديث أو لتلخيص ما حدث. فقد شاهد الجميع اقتحام الكونغرس (الكابيتول) في واشنطن عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية على الهواء مباشرة. لكن الوضع الحالي في الولايات المتحدة لا يقتصر على هذا الاقتحام. فلم تبدأ العملية أمس فقط كما لم تنته بإخلاء مبنى الكونغرس.
لقد ناقشنا في مقالاتنا السابقة أن أمريكا بدأت تفقد سيطرتها على العالم وأن التناقضات تزداد حدة في الداخل (انظر هل الحرب العالمية قادمة؟). وبهذا كنا نسمع فعليا وقع خطوات اقتحام الكونغرس. لقد طفت هذه الظاهرة على السطح فقط بحدث رمزي كهذا؛ لقد كان إيذانا بانتهاء العصر القديم وبدء العهد جديد.
إذن، ما هي النتائج التي ستتم مناقشتها في كتب التاريخ في المستقبل؟ دعونا نبحث عن إجابة هذا السؤال في مقالتنا هذه.
تعدد الأقطاب في الولايات المتحدة
لم يعد تعدد الأقطاب مقتصرا على العالم فقط بل أصبح هناك تعدد أقطاب في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا. إن الصراع في الولايات المتحدة ليس مجرد حرب انتخابية. بل هناك قطبان مختلفان يخوضان حربا شرسة. فجو بايدن ليس مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة فقط بل يمثل العالميين في الولايات المتحدة. وعلى الناحية الأخرى، يعتبر ترامب الواجهة الأمامية للقوميين، الذين أصبحوا قوة حقيقة داخل الدولة، أكثر من كونه مرشح الحزب الجمهوري.
تعطل النظام الأمريكي
إن التناقض بين هذين القطبين في الولايات المتحدة هو في الواقع تناقض استراتيجي. فهناك أمر مختلف في نتائج هذه الانتخابات عنها في السابقة. حيث أن ما يهتم به الجناح الذي يمثله ترامب القيام بتغييرات جذرية في سياسات الولايات المتحدة والعمل على أولوية “إصلاح المشاكل في داخلنا وليس تنظيم العالم”. أما بايدن، فهو مصمم على مواصلة المهمة الأمريكية كرجل أمن عالمي على الناحية أخرى.
وهكذا تعطل النظام في الولايات المتحدة. لقد تم تعطيلها بدعوة من الرئيس لاقتحام مبنى الكونغرس. وانتهى العصر الذي كان يختصره مقولة: “بغض النظر عمن سيتولى السلطة، ستعمل سياسة الدولة الأمريكية بطريقة ما، وسيحيى الجميع في وئام”.
سوف يتعمق الانقسام
سيستمر الصراع بين هذين القطبين في التعمق حتى لو كانت هناك توافقات ووقف إطلاق نار بين الحين والأخر بغض النظر عمن أقام في البيت الأبيض. فهناك توازن في القوى بينهما ليس فقط من حيث معدلات التصويت، ولكن أيضا من حيث الدولة.
إن ترامب وبعيدا عن كونه غالبا ما يتعرض للسخرية، يمثل مقاربة واستراتيجية جديدة للولايات المتحدة. لذلك، سواء بقي ترامب أو غادر، ستستمر هذه الاستراتيجية في فرض نفسها. ولن يتمكن أحد القطبين من هزيمة الآخر بسهولة.
وباختصار؛ سيستمر هذا الانقسام في التعمق مع اقتحام الكونغرس. واليوم، تسلط عناوين الصحف الأمريكية، الضوء على عمق الصراع الداخلي الذي سيشهده البلاد في الفترة المقبلة.
تناقضات الولايات المتحدة
إن هذا الصدع العميق في الولايات المتحدة لا يقتصر على الدولة فحسب. فلا مفر من أن تظهر التناقضات نفسها بشكل أوضح بين الولايات. ربما ليس في الوقت القريب لكن قد تصبح مسألة اتحاد “الولايات المتحدة الأمريكية” مثيرة للجدل أيضا.
كما سيتعمق الانقسام بين الدولة والشعب أيضا. حيث أنه من المحتمل جدا أن تنتشر الاقتحامات كما حدث في الكونغرس في الولايات المتحدة وتزداد احتجاجات الشوارع بين شرائح الشعب غير الراضيين بالفعل لأسباب مختلفة. وقد أثبت السود أنفسهم وأظهروا قوة الشارع. ليتبعه ظهور “بيض” ترامب مع هذا الاقتحام على الكونغرس.
لقد أثبتت كلا الشريحتين أنهما قادرتان على الاشتباك مع الدولة عندما تحتاج لذلك. فليس السود فقط ولكن البيض أيضا غير راضيين الان في الولايات المتحدة الامريكية. بالطبع يمكن لقوى الشارع هذه أن تقاتل بعضها البعض أيضا إضافة إلى قدرتها على الصراع مع الدولة.
الوجه الحقيقي لـ “الديمقراطية الأمريكية”
من ناحية أخرى، كشف اقتحام الكونغرس وعملية الانتخابات عن الوجه الحقيقي للديمقراطية الأمريكية. لقد حدثت مثل هذه الأحداث “المشوهة للصورة” في انتخابات عام 2000 بين جورج دبليو بوش وآل جور. فلم يتم الكشف عن نتائج الانتخابات لمدة 5 أسابيع، ليتم إعلان فوز بوش بعد ذلك، ثم ليتم الضغط على الزر لأجل عملية 11 سبتمبر.
لكن انتخابات 2020 تجاوزت وصمة عار الانتخابات التي أجريت قبل العملية الفاصلة. فلم يتضح من هو رئيس الولايات المتحدة لوقت طويل لتصبح اقتحام الكونغرس بمثابة بهارات عليها.
لكن يجب التأكيد على كيفية تأثير احتكارات وسائل التواصل الاجتماعي في هذه العملية، ومدى تهورها في تقييد حرية الفكر وحظر من ترغب بحظره. حتى أن ترامب حصل على نصيبه من ممارسات الحظر هذه.
لقد كشف اقتحام الكونغرس وعملية الانتخابات الأمريكية لمرة أخرى كيف تحولت احتكارات وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلاح وأصبحت مشكلة خطيرة.
هل ستنكفئ الولايات المتحدة على ذاتها؟
لقد أظهر اقتحام الكونغرس أن الولايات المتحدة أحرقت نفسها بينما كانت تحاول إشعال العالم. لقد غزت دول العالم في جميع الأرجاء، ونظمت الانقلابات، وأثارت الحركات البرتقالية. لقد هوجمت واشنطن من الداخل بينما كانت تحاول تنظيم العالم.
إن الولايات المتحدة تحتاج الآن إلى تخصيص طاقتها وقوتها لحل المشاكل الداخلية، وليس من أجل الخارج. فهذه هي الطريقة الأكثر منطقية بالنسبة لها. وعندما يتولى بايدن السلطة، ستضطر الولايات المتحدة إلى الانكفاء على ذاتها عاجلا أم آجلا وستكتسب هذه الاستراتيجية المزيد من القوة.
حان الوقت للتحلي بالشجاعة
من المحتم أن يكون لاقتحام الكونغرس ـ الذي يكشف عن المرحلة التي تمر بها الولايات المتحدة رمزيا ـ عواقب. وهذا ليس فقط على صعيد السياسة الداخلية فقط بل على الساحة الدولية أيضا. فلم تفقد الدولة الأمريكية مصداقيتها في بلدها فقط، بل اهتزت سلطة واشنطن على كل من حلفائها وخصومها في جميع أنحاء العالم بشكل خطير.
حتى أن الرئيس السابق بوش قارن التطورات بـ “جمهوريات الموز”. وأصبحت تعاريف “الوحش الذي لم يبق له إلا ناب واحد” أو “النمر الورقي” مفهومة اليوم بشكل أفضل مما كانت عليه بالأمس. ولهذا، فإن وضع أمريكا الحالي سيفتح المجال أمام الدول المضطهدة والدول النامية. وبمعنى آخر يجب على الذين يواجهون التهديد الأمريكي، استبدال خوفهم بخطوات حاسمة.
لقد حان الوقت للدول من مثل تركيا أن تكون أكثر شجاعة. إن مداهمة مجلس الشيوخ هي فرصة مهمة لنا أيضا. إن الوقت ملائم تماما للاستيقاظ من الحلم الأمريكي وكابوسه.
يوما ما ستحدث ثورة في الولايات المتحدة أيضا
إن الخطوات الشجاعة لتركيا والدول المماثلة، أي مقاومة المعسكر الأطلسي، ستلعب دورا في حل الولايات المتحدة لمشاكلها الداخلية. حيث ستؤدي نهاية الاستغلال الأمريكي لموارد العالم وانهيار سلطنة الدولار إلى قطع التدفق القادم من الخارج، الأمر الذي سيدفع إلى انطلاق حركات ثورية في الولايات المتحدة الامريكية.
ربما ستكون آخر من سيأتي عليه الدور، لكن يوما ما، ستحدث ثورة في الولايات المتحدة الامريكية أيضا. ليس بطريقة بدائية مثل اقتحام مجلس الشيوخ، بل بشكل يلائم تقاليد رجال من مثل واشنطن ولينكولن.
محمد بيرينتشك/ صحيفة اندبيندنت البريطانية
ترجمة وتحرير: راسام