جهاد بشير
المشهد السياسي العراقي بات في وضع مغاير تمامًا لما كان عليه قبل أسابيع، فجائحة كورونا نجحت في التغطية على مهزلة “المشاورات” الجارية بين الكتل والأحزاب السياسية لاختيار شخصية توافقية تتولى عملية ترميم حكومة بغداد التي أطاحت بها مظاهرات ثورة تشرين.
تتجه النخبة السياسية في العراق نحو التغابي وهي تتكئ على انصراف الناس عن رصد حالة التناكف بهدف الإلغاء والتدافع بقصد الإزاحة التي تطغى على مشاوراتها؛ وتحاول أن تصنّف ذلك على أنه متنفس يُخلصها من الضغط الجماهيري الذي كانت تولّده حركة الاحتجاجات في البلاد على مدى خمسة أشهر ونصف، لكن الراصد يدرك جيدًا أن الأمر لن يكون ذا أثر معتبر يغيّر من توصيف المعترك السياسي الذي تخوضه تلك القوى في إطار منظومة من الفشل المركّب، بقدر ما هو استغلال بشع لحالة طارئة تمس حياة العراقيين وواقعهم المعيشي، واستثمار دنيء للتهديد الذي يُخوّف الناس جرّاء تزايد مساحات انتشار فيروس كورونا في البلاد.
الجميع يعلم أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على أصعب أرقام معادلة المشهد العراقي فبات متأثرًا أكثر من أي وقت مضى، ونعني به ثورة تشرين والضغط الشعبي المتولد منها
جُبلت العملية السياسية منذ تأسيسها وفرضها في المشهد العراقي؛ على أن بقاءها قائمة مرتبط بفوضى الواقع واضطراب الأحداث، ولعل من أبرز المغالطات التي تقتات عليها هذه المنظومة تكمن في فشلها المحض الذي يمنح أحزابها وقواها المتباينة في المرجعيات الدولية والأقليمية فرصًا متلاحقة لتبادل الأدوار وتغاير مواطئ القدم، فضلاً عن تهيئة أدوات جديدة بين حين وآخر للدخول فيها والاستحواذ على مكان من يغادرها مكرهًا؛ تحت مظلة “الديمقراطية”، أو التغيير المكذوب، أو الإصلاح المعوَج؛ في واحد من أكثر نظم الحكم عَوَقًا عرفه تأريخ الأمم والدول.
ومن هذه الحقيقة، يكون المنطلق في توصيف المشهد العراقي في ظل المشاورات الجارية حاليًا للبحث عن شكل جديد لحكومة تأخذ دورًا في سلسلة حكومات الاحتلال يتناسب وطبيعة المرحلة التي ما تزال رؤى الولايات المتحدة ـ المرجع الأكبر للعملية السياسية ـ ترفض الإفصاح عن شكلها أو عن مؤشرات تدل عليه، بينما تلهث إيران ـ الوكيل الأول في المنطقة لرعاية العملية السياسية ـ وراء الكشف عن طموحاتها في هذا السياق دون مواراة أو تقية.
موازنات مفضوحة في المشهد العراقي يُجري المناورة بها كلا طرفي التنافس بعدما كانا يضعان في حساباتهما حراك ثورة تشرين وغاياته، والذي أربك الكثير من وسائل التخادم المخفية بينهما، بحيث لم يغيّر شبابه نظرتهم بشأن نمط وطبيعة الاحتلال المزدوج الذي تخضع له البلاد، حتّى مع التصعيد المفتعل بينهما الذي تطور إلى قصف متبادل وتصفيات حقيقية، بما لا يعد شيئًا ذا قيمة بالنظر إلى مآلات المرحلة وأهداف الطرفين الاستراتيجية فيها.
الجميع يعلم أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على أصعب أرقام معادلة المشهد العراقي فبات متأثرًا أكثر من أي وقت مضى، ونعني به ثورة تشرين والضغط الشعبي المتولد منها، والذي نجح مرحليًا في إسقاط حكومة الاحتلال السابعة، وتقدم أكثر في نجاحه فأفشل محاولات أحزاب السلطة في الإتيان ببديل عنها.. وحتى الساعة ـ التي يُظن فيها أن الحراك بلغ أدنى مستويات قوّته ـ فإن تداعيات الفشل قائمة ولا رجاء قريبًا لدى أحزاب العملية السياسية في تجاوزه؛ لسببين اثنين في الإطار العام، أحدهما: افتقار القوى السياسية لحاضنة شعبية تمنحها مبررًا لإيهام الرأي العام بشرعيتها، والآخر: جهل طغمة السياسة في العراق حقيقة ما تريده القوى المتحكّمة بالمنظومة في هذه المرحلة، والتي تسعى ـ فيما يبدو ـ إلى أن تبلغ الأحزاب اللاعبة في المشهد أدنى درجات الإفلاس لتسيّرها بعد حين على النحو الذي تريد