يعود مؤشر الفساد العالمي لعام 2019 ليضع العراق في ذيل التصنيف الدولي كأكثر الدول فساد في العالم، إذ وبعد 17 عاما على الغزو الأمريكي للبلاد، لا يزال العراق يتذيل التصنيف الدولي في كل عام من دون أن تستطيع الحكومات المتعاقبة من انتشال العراق من ذيل هذا التصنيف.
فساد بلا حدود
يعد مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية من أهم المؤشرات العالمية لحال البلدان حول العالم فيما يخص الشأن الاقتصادي، إذ يشمل التقرير السنوي للمنظمة 180 دولة، ويقاس مستوى الفساد فيها على أساس مؤشر من 100 درجة أعلاها الأفضل، وأصغرها الأسوأ.
احتل العراق التصنيف 162 بحصوله على (20) نقطة فقط، كدولة مغمورة بالفساد من مجموع 180 دولة، إلا أن أستاذ الاقتصاد الدكتور “محسن الطائي” أوضح أن العراق ومن الناحية العملية يعد أكثر دول العالم فساد.
إذ عزى الطائي في حديثه لوكالة “يقين” ذلك الوصف للعراق على اعتبار أنه حل في المرتبة 162، غير أنه وبنظرة بسيطة على أوضاع البلدان التي جاءت في مراتب أقل من العراق، يكتشف المتابع أن هذه الدول لا تحظى بمعشار ما يحظى به العراق من خيرات وموارد مالية واقتصادية، إذ أن ليبيا والسودان واليمن وسوريا والصومال كلها جاءت بعد العراق، غير أن هذه الدول لا تقارن بالعراق على اعتبار أن هذه الدول تشهد حروبا داخلية (أهلية) وهي دول غير نفطية وليست لديها حكومات أو مجالس برلمانية، كما تفتقد للثروات التي يتمتع بها العراق.
ويؤكد الطائي على أن العراق وبسبب ما يعيشه من فساد مالي واستنزاف اقتصادي كبير، فإن تصنيفه جاء مع أسوأ دول العالم في إدارة الموارد المالية والاقتصادية، فضلا عن أنه يعد أسوأ دول العالم في معدلات الرشاوى المرتفعة فيه وتتحكم زمرة صغيرة فيه بعشرات مليارات الدولارات التي تدخل موازنته المالية سنويا.
” العراق لم يستطع الوصول إلى عتبة الـ 150 في مؤشر مدركات الفساد، وبالتالي فإن هذا المؤشر يؤكد على أن العراق متجه نحو كارثة اقتصادية”
من جانبه، يؤكد النائب “أحمد الجبوري” في حديثه لوكالة “يقين” على أن العراق لم يستطع الوصول إلى عتبة الـ 150 في مؤشر مدركات الفساد، وبالتالي فإن هذا المؤشر يؤكد على أن العراق متجه نحو كارثة اقتصادية، خاصة أن ثروات العراق وخلال الـ 17 عاما الماضية تشهد تبديدا وسرقات منقطعة النظير، وهذا ما جعل من الشعب العراقي يخرج في انتفاضة شعبية مستمرة منذ 4 أشهر مطالبة بالإصلاحات، بحسبه.
ويشير الجبوري إلى أن الفساد في مؤسسات الدولة العراقية بات يشمل جميع الدرجات الوظيفية والدوائر الخدمية والسيادية، لافتا إلى أنه وبغض النظر عن مصروفات الرئاسات الثلاث سنويا، فإن الأحزاب والميليشيات المتحكمة بالعراق تنهب عشرات مليارات الدولارات من عائدات النفط، فضلا عن تحكم هذه الزمرة بكل مفاصل الاقتصاد العراقي، بعد أن باتت المناصب الوزارية ومناصب المدراء العامين تباع وتشترى بملايين الدولارات، بحسبه.
معايير الفساد عالميا
تعد منظمة الشفافية الدولية مؤسسة عالمية هدفها جعل الحكومات والأعمال التجارية والمجتمعات المدنية حول العالم خالية من الفساد، ولإنهاء الفساد، تشير المنظمة في تقريرها السنوي الذي صدر مؤخرا واطلعت عليه وكالة “يقين” إلى أنه من الضروري اتخاذ إجراءات فعالة من بينها منع الفساد السياسي بفرض رقابة على التمويل السياسي وتقوية النزاهة الانتخابية وتمكين المواطنين في بلدانهم.
وفي السياق، يقول الخبير في مجال القانون الدولي “مظهر مظفر” في حديثه لوكالة “يقين” إن معايير منظمة الشفافية الدولية في تقييمها للدول صارمة جدا، إذ أنها لا تعتمد على معدلات النمو الاقتصادي في تقييمها، بل تعتمد على الفساد الإداري والمالي المستشري في مؤسسات الدولة، إذ تعتبر المنظمة الفساد السياسي من أهم الأبواب التي تعتمدها في تقييمها للبلدان.
ويضيف مظفر لوكالتنا قائلا: “العراق وعلى مدى الأعوام الـ 17 الماضية شهد فساد سياسيا منقطع النظير، إذ أن جميع الانتخابات التشريعية والمحلية فيه كانت مزورة إلى حد كبير، فضلا عن أن جميع الأحزاب السياسية والكتل لم تكن نزيهة في حصولها على الأصوات، يضاف لكل ذلك الأموال التي تمول بها هذه الأحزاب حملاتها الانتخابية، والتي دائما ما تكون عن طريق الفساد والسرقات”، بحسبه.
المحلل الاقتصادي “أنمار العبيدي” يكشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن ثروة العراق النفطية تبدد لجيوب الفاسدين من الميليشيات الحزبية المنضوية ضمن الحشد الشعبي، ويؤكد على أن ما لا يقل عن 100 ألف برميل نفط تهرب شهريا من العراق بقوة الميليشيات، إذ أن التلاعب في العدادات النفطية في موانئ البصرة لا يزال على أشده، فضلا عن تقسيم خطوط الأنابيب النفطية بين الميليشيات المتنفذة، إذ تعمل هذه الميليشيات على تهريب النفط من خلال التطفل على الأنابيب الناقلة وفي جميع المدن العراقية، موضحا أن طرق تهريبها تتنوع ما بين بيع النفط المسروق إلى إقليم كردستان أو تهريبه إلى دول أخرى عبر الخليج وإيران، بحسبه.
وعن سبل مكافحة الفساد في العراق، يؤكد العبيدي أن لا مجال لأن ينهض العراق من الواقع الذي هو فيه إلا باستبدال الوجوه الحاكمة في البلاد وحل الميليشيات وإنهاء الطبقة السياسية الحالية الموغلة في الفساد والسرقة، لافتا إلى أن التظاهرات الشعبية الحالية وقمعها من الحكومة وميليشياتها تعد من أهم الأسباب التي أدت بالعراق إلى التراجع عالميا في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
“ثروة العراق النفطية تبدد لجيوب الفاسدين من الميليشيات الحزبية المنضوية ضمن الحشد الشعبي”
الصحفي “عمر صلاح” وفي حديثه لوكالة “يقين” يؤكد على أن لا فرصة للعراقي في الحصول على وظيفة في القطاع العام ما لم يدفع الرشاوى وبمبالغ كبيرة، مضيفًا أن العراق يضم آلاف الموظفين الوهميين الذين وصفهم بـ (الأشباح) الذين يتقاضى بعض المسؤولين رواتبهم، فضلا عن الاقتطاعات الكبيرة من رواتب الموظفين العموميين والتي تتم من خلال كبار موظفي المؤسسات الحكومية.
ويضيف صلاح أن الأجهزة الأمنية هي الأخرى يشوبها فساد كبير، إذ دائما ما تخضع قرارات الاعتقال وإطلاق السراح وإغلاق القضايا والدعاوى للرشاوى وخاصة ما يتعلق بمحاكم هيئة النزاهة، لافتا إلى أن كبار الفاسدين في العراق محميون بموجب الرشاوى وهناك الكثير من الشواهد خاصة في الطبقة السياسية الحالية، بحسبه.
ويختتم صلاح حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن العراق إن استمر حاله على ما هو عليه الآن، فإنه من غير المستبعد أن يتراجع تصنيفه الدولي في مؤشرات مدركات الفساد لعشر درجات أخرى خلال العام الحالي.
هو فساد كبير في مختلف المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية، فساد أدى بالعراق إلى أن يكون قرينا لدول فاشلة لا تمتلك 10% مما يمتلكه العراق من موارد اقتصادية وبشرية.
المصدر:وكالة يقين