الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية لاهميته موقع الميثاق الالكتروني يعيد نشر حوار الشهر الذي أجرته صحيفة الميثاق مع المحلل والباحث الاستراتيجي العقيد الركن حاتم كريم الفلاحي


وفي ادناه نص الحوار

الميثاق: افتتح رئيس حكومة بغداد عهده بسلسلة قرارات عسكرية تضمنت تعيينات ومناقلات في رأس الهرم بالمؤسسة العسكرية/ كخبير أمني أين تضع هذه القرارات في إطار سعي الكاظمي لضبط إيقاع القيادة العسكرية؟.

الفلاحي: لا شك أن أي تغير في المشهد السياسي العراقي ينعكس بصورة عامة على جميع مؤسسات الدولة، خاصة بعد عام 2003، بسبب المشروع السياسي للاحتلال والعملية السياسية التي بنيت على المحاصصة الطائفية، ومنها المؤسسة الأمنية والعسكرية، لذا فالتغيرات التي طالت المؤسسة العسكرية هي قرارات طائفية مسيسة بامتياز، كون الشخصيات التي تم تغيرها في رأس الهرم في المؤسسة العسكرية في غالبها من طائفة واحدة، ولم يراع فيها التوازن المتفق عليه بين مكونات العملية السياسية، والتي سبق للحكومات السابقة أن انقلبت على هذه التوازنات، فالمالكي استأثر بالعديد من المناصب في الفترة السابقة، واستمر ذلك في عهد حكومة العبادي، وعادل عبد المهدي، ويبدو أن هذا النهج مستمر في حكومة الكاظمي، وما هذه التغيرات إلا دليل واضح على السياسية الطائفية التي تنتهجها الحكومات التي توالت على حكم العراق بعد عام 2003، كما إن الاخفاقات المتوالية للمؤسسة الأمنية والعسكرية في مواجهة الهجمات التي يشنها تنظيم الدولة على القوات العسكرية النظامية والغير نظامية، وخاصة التي تم تنفيذها في شهر أذار ونيسان ومايو الماضي، وهي مستمرة إلى يومنا هذا مما يجعل مسألة التغيرات التي طالت القيادات العسكرية واجبة ومسألة فيها نظر لأن تحميل المسؤولية لتدهور الوضع الأمني يتحمله القادة بصورة مباشرة وهي جزء من المعالجات التي اعتدنا عليها للتهرب من المحاسبة.

الميثاق: هناك من يعتقد أن الكاظمي يسعى لتحويل المؤسسة العسكرية إلى قوة مسيسة ذات نهج طائفي تُستخدم سياسيا كما حولها المالكي في عهده؟.

الفلاحي: أنا أعتقد بأن هناك مشكلة حقيقية في بناء المؤسسة الأمنية والعسكرية التي تشكلت بعد الاحتلال، وهناك خلل كبير في منظومة القيادة والسيطرة للقوات المسلحة، وأعتقد بأن الكاظمي لا يسعى لتحويل المؤسسة العسكرية إلى قوة مسيسة ذات نهج طائفي، لأنها فعل تمثل النهج الطائفي بامتياز فلا يحتاج ذلك لأنه موجود، فبروز الهوية الطائفية وتقديمها على الهوية الوطنية كانت هي الصفة والسمة الملازمة لتشكيل النظام السياسي في العراق بعد عام 2003، وخاصة المؤسسة العسكرية التي بنيت بشكل طائفي مقيت، عندما تم دمج الميليشيات الطائفية التابعة لإيران باعتبارها نواة لتشكيل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، الأمر الذي حولها لقوات طائفية بلباس عسكري، كما أن عملية الدمج جعلت الميليشيات تشكل مراكز قوى متعددة، وموزعة بين وزارة الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية، ولاؤها للطائفة والحزب، بالإضافة إلى الولاءات الخارجية التي ترتبط بإيران، حتى وصلنا لتشكيل ميليشيات الحشد الشعبي التي تتعارض مع الدستور الذي كتبوه بعد الاحتلال، في مادته التاسعة والتي تحضر تشكيل ميليشيات خارج إطار القوات المسلحة الحكومية، وقد تكون هذه التغيرات للقادة العسكريين خطوة من قبل الكاظمي لفرض سيطرته على المفاصل المهمة في المؤسسة العسكرية ليتمكن من استخدامها لصالحه ضد خصومه في المستقبل، والدليل أن أغلب القيادات العسكرية التي تم اسناد المناصب إليها كانت من طائفة واحدة تقريبا، وهذا نهج طائفي واضح وبعيد عن الوطنية التي يحاول أن يسوقها في خطاباته وتصرفاته الاستعراضية.

الميثاق: بالمنظور الأمني وبعد 17 عاما على غزو واحتلال العراق هل يمتلك الجيش الحالي عقيدة عسكرية وطنية؟.

الفلاحي: تفتقد المؤسسة العسكرية للعقيدة العسكرية الوطنية الجامعة، وهي تعاني من خلل كبير في العقيدة العسكرية، ولأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالاحتلال الأمريكي- البريطاني الذي أشرف على تشكيل هذه المؤسسة العسكرية والأمنية في العراق بعد عام 2003، بعيدا عن مصالح العراق، وبعيدا عن الأسس الوطنية التي يجب أن تقوم عليها هذه المؤسسة، ومنها ما يتعلق بهشاشة العملية السياسية في العراق والتي تطغى عليها الخلافات السياسية والمحاصصة الطائفية والحزبية، والتي قتلت المهنية في هذه المؤسسة العريقة، مما أدى الى قيام مؤسسة عسكرية طائفية ضعيفة ومسيسة وغير رصينة، ولا تمتلك القدرات اللازمة للدفاع عن نفسها، ورأينا كيف انهزمت وانهارت القوات الموجودة في مدينة "الموصل" والتي تصل إلى أربعة فرق عسكرية أمام مئات من تنظيم الدولة، ولم نعرف لماذا فرت القوات العسكرية التي كانت في محافظة صلاح الدين بدون قتال، لذا فهناك خلل في عقيدة المؤسسة العسكرية التي باتت تحمل ولاءات مزدوجة منها داخلية للطائفة والحزب، ومنها خارجية لدول مثل إيران.

الميثاق: الجيش الحالي هو خليط من عناصر دمج وميليشيات من أحزاب طائفية برأيكم ما هو مستقبل هذا التشكيل وهل يمكن أن نطلق عليه (حارس الوطن)؟.

نحن في العراق أمام مراكز قوى أمنية وعسكرية متعددة تحكم العراق بولاءات خارجية، والجيش الحالي هو أضعف هذه المراكز، بحيث أصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه، فهو يفتقر إلى العقيدة العسكرية الرصينة، كما يفتقر إلى التسليح والقدرات العسكرية التي يمكن أن تمكنه في الدفاع عن أراضيه وأجوائها، كما أنه يعاني من الفساد المالي والإداري، ومن المحاصصة الطائفية والحزبية، ومن التدخلات الخارجية، فهناك قوات التحاف الدولي التي تضم أكثر من (67) دولة، وهناك تدخل إيراني عسكري مباشر وغير مباشر، نظامي وغير نظامي، وهناك تدخل لبناني يعود لميليشيا حزب الله اللبناني، وهناك تواجد لحزب العمال الكردستاني (PKK)، بالإضافة إلى وجود قوات تركية في شمال العراق، لذا كيف يمكن لنا أن نقول أو نطلق عليه تسمية حراس الوطن؟ علماً إن الميليشيات التابعة لإيران سيطرت على الكثير من مقراته وأسلحته في الفترة السابقة، ومنها دبابات أمريكية "ابرامز" ولولا تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وتهديدها بوقف الإدامة والتسليح لما تم استرجاعها إلى الجيش الحكومي.

الميثاق: لاسيما وأنه قد تحول إلى أداة لتدمير المدن السنية وإفراغها من سكانها بحجة ملاحقة داعش؟.

الفلاحي: إن هذه المؤسسة العريقة كان يجب أن تكون قوة للدفاع عن حدود العراق ضد أي اعتداء خارجي، فالجيش سور للوطن كما تعلمنا في دراستنا، كما يجب أن يكون فوق الميول والاتجاهات السياسية، والصراعات الحزبية، والمحاصصة الطائفية، وكان يجب أن تكون هذه المؤسسة محايدة ومستقلة، وبعيدة عن الصراعات السياسية والطائفية الداخلية، ولكن إصرار الطبقة السياسية الحاكمة على تحويل مهام الجيش في العراق من مهمة الدفاع عن العراق ضد الأخطار الخارجية برا، وبحرا، وجوا إلى قوات تنفذ مهام للأمن الداخلي، وإقحماها في الصراع الطائفي أدى إلى فقدان الثقة بهذه المؤسسة العريقة، التي فقدت هويتها الوطنية، وتحولت لأداة لتنفيذ سياسات الطبقة السياسية الحاكمة بصورة طائفية، وهذا ما حصل في حقبة حكم الجعفري، والمالكي، (الاولى والثانية)، وحتى حكومة العبادي، الذي صمت أمام الجرائم التي ارتكبت أثناء استعادة المدن من تنظيم الدولة، حيث ارتكب الجيش الحكومي خلال الفترات الماضية، مجزرة الحويجة في كركوك، ومجزرة جامع سارية في ديالى، والفلوجة، والرمادي، ثم توالت المجازر من قبل ميليشيات الحشد الشعبي في الصقلاوية، والرزازة، والرمادي، والموصل، وصلاح الدين، على مرأى ومسمع من الطبقة السياسية الحاكمة، والمؤسسة العسكرية والقضائية، بدون أن تحرك ساكنا للدفاع عنهم، فالجيش الذي لا يدافع عن شعبه أيً كانت انتماءاته أو انتسابه لا يستحق أن يكون جيشا للعراق أو حارسا للوطن.

الميثاق: بتقديرك لماذا أبقى الاحتلال الجيش الحكومي ضعيفا ومخترقا وغير قادر على حماية الحدود وغض الطرف عن اختراقها من قبل إيران التي انهزم جيشها عندما كان للعراق جيشا حقيقيا مؤهلا للدفاع عن الأرض؟.

الفلاحي: لم نسمع أو نقرأ في التاريخ بأن المحتل جاء ليبني ويصلح، على العكس فهو يريد بلدا ضعيفا كي يبقى، وهناك الكثير من الجهات والأطراف لا تريد العراق قويا، أو أن يكون لديه جيش قوي ومحترف، فأحد أهداف الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق هو تحقيق أهداف إسرائيل بإخراج العراق من دائرة موازين القوى في المنطقة، وبالأخص من دائرة الصراع العربي مع اسرائيل، فقد كانت للجيش العراقي مواقف وطنية وقومية مشرفة في الدفاع عن قضية العرب والمسلمين (فلسطين)، وكانت له شرف المشاركة في حرب عام 1948، وحرب عام 1967، وحرب عام1973، عندما شارك على الجهتين السورية والمصرية، واستطاع أن يمنع الجيش الإسرائيلي من السيطرة على مدينة دمشق، وكانت آخر منازلة له هو قصف إسرائيل البنت المدللة لأمريكا بـ(39) صاروخ سكود عام1991، لذا كانت أول الخطوات للاحتلال الأمريكي– البريطاني هو حل الجيش العراقي السابق حسب الرغبة الاسرائيلية، لذا فإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن يكون للعراق جيش قوي يمكن أن يهدد اسرائيل في المستقبل، كما أن أمريكا لا تريد أن يكون للعراق جيش قوي، حتى يكون بحاجة دائمة إلى تواجد الجيش الأمريكي كما يحصل الآن، وكما حصل عام 2014، ثم إن ايران واتباعها وعملائها في العراق لا تريد للجيش العراقي الذي هزمها في حرب الثمان سنوات أن يعود قويا كما كان، لكي يكون البلد مستباح من قبلها ومن قبل ميليشياتها المسلحة، لتنفذ مشروعها في العراق والمنطقة، وهم يعملون على بناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة بما فيها تأسيس جيش يأتمر بأوامرهم مثل الحشد الشعبي الولائي، هذا بالإضافة الى أن الأكراد يشعرون بالخشية من عودة الجيش قويا ووطنيا، لأنه لن يسمح بقيام دولة كردية في المستقبل وتقسيم العراق، وما جرى من صدامات عسكرية بين قوات البيشمركه والقوات الحكومية بعد الاستفتاء على استقلال كردستان عام 2017، خير دليل على ذلك، لذا نرى بأن هذه المؤسسة تتعرض لمؤامرة كبيرة لتدميرها وضمان عدم عودتها مرة أخرى، كما أنها رغم الأموال الكبيرة التي صرفت عليها إلا أنها ما زالت تعاني من الفساد المالي والإداري، والمحاصصة الطائفية والحزبية والاختراق والتسييس، وتفتقر إلى القدرات التسليحية اللازمة للدفاع عن العراق، بسبب عدم وجود استراتيجية للتسليح والتجهيز تراعي التهديدات المحتملة، كما أنها تفتقر لوجود قوة جوية، ومنظومة دفاع جوي قادرة على حماية سماء العراق، أو قوة بحرية قادرة على حماية السواحل العراقية، والموانئ العراقية المنتهكة من قبل إيران والكويت والميليشيات، بالإضافة إلى عدم وجود منظومة استخبارات قادرة على تواكب خطورة الأوضاع، وتطورات المرحلة التي يمر بها العراق.

الميثاق: جيش ولائه للحزب والطائفة وليس للوطن؛ هل يمكن تأهيله وإصلاحه وبناؤه مجددا ؟.

الفلاحي: تعتبر الجيوش في جميع البلدان الركن الأساسي للمحافظة على مؤسسات الدولة، وحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية، وتدخل عوامل كثيرة في بناء الجيوش، منها العقيدة السياسية للبلد، والمعتقد الديني، وطبيعة التهديدات المحتملة، بالإضافة إلى الموارد المالية والبشرية، ومستوى التقدم العلمي في البلد، ولو ناقشنا جميع هذه العوامل لوجودنا أننا أمام إشكال كبير في بنية المؤسسة العسكرية العراقية التي شكلت بعد الاحتلال، والتي تنخرها الطائفية والحزبية والفساد المالي والإداري، ويمكن لنا أن نسأل سؤال واحد فقط وهو ما هي ماهية الدولة العراقية الحالية؟ هل هي دولة علمانية؟ أم دولة مدينة؟ أم دولة دينية؟ أم دولة ميليشيات تابعة لطهران؟ أو تابعة لدولة الاحتلال! لذا لا يمكن لنا أن نتكلم عن إصلاح الجيش وإعادة تأهليه وبنائه مجددا ما لم يمتلك العراق إرادته السياسية الحرة، أما باستمرار التدخل الأمريكي- الإيراني في الشأن الداخلي العراقي، واستمرار سيطرة الميليشيات على المشهد السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي، وفرض إرادتها السياسية بقوة السلاح المنفلت الذي أصبح خارج سيطرت الدولة تماما وتجر العراق لصراعات لا مصلحة للعراق بها؛ لا يمكن أن نقول بأن الجيس حامي سور الوطن. الميليشيات الآن أصبحت أداة تحركها الإرادة الخارجية حسب مصالحها، ولذلك نفول هي بندقية مأجورة للقتل والتدمير والخراب، وهذا كله بسبب تبيعة الميليشيات التي سيطرت وهيمنة بشكل كامل على مقدرات الدولة، وبدأت ببناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة، بسبب الضعف الحكومي وأجهزتها الأمنية والعسكرية، لذا فهذا الجيش هو جيش النظام الحاكم وليس جيش الوطن أو الشعب.

الميثاق: ما هي قراءتكم لمخرجات الحوار الأمريكي العراقي، وهل تعتقد أنه سيشكل نقلة نوعية في مستقبل العلاقات بين البلدين؟.

الميثاق: قبل أن أجيب عن مخرجات هذا الحوار الذي دعت إليه حكومة عادل عبد المهدي في10يناير/كانون الثاني الماضي، بعد مقتل "سليماني" وأبو "مهدي المهندس"، حيث طالب الولايات المتحدة الأمريكية بوقف التصعيد، وإجراء حوار لإقامة علاقات متوازنة بين الجانبين، ثم جاءت موافقة الجانب الأمريكي على هذه الحوار في 5 أبريل/نيسان الماضي، وتم تحديد موعد الحوار في شهر حزيران الجاري، وهنا لا بد لي أن أستعرض وضع المفاوض الحكومي في الحوار الأمريكي-العراقي، الذي جرى عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بين الجانبين في يوم10و11من هذا الشهر، حيث جاء هذا الحوار في ظل ظروف عصيبة، ومتغيرات كثيرة وأزمات سياسية وأمنية واقتصادية وصحية، تهدد بزوال النظام السياسي الحاكم في العراق، لذا أنا أعتقد أنه من المبكر الحكم على مخرجات الحوار الأمريكي-العراقي في هذه الجولة من المحادثات، ويمكن لنا أن نطلق عليها بالمرحلة التمهيدية لتبادل الأفكار بين الطرفين، ولكن يمكن لنا أن نجمل مخرجات هذا الحوار بما تسرب من خلال الوثائق الرسمية للجانب الأمريكي، التي تقول بأنه لم يكن هناك حوارا بل كانت هناك إملاءات أمريكية على الجانب الحكومي، كما أن الحوار جاء مستندا على اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق والتي وقعت في عام 2008، والتي لا تصلح لأن تكون جزءا من هذا الحوار لاختلاف الظروف والقدرات، ولوجود الكثير من المتغيرات على الساحة المحلية والإقليمية، والدولية، وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، كما أن بنود الحوار التي طرحت للنقاش جاءت من الجانب الأمريكي فقط، ولم نطلع على الملفات التي طرحت من الجانب الحكومي، عدا الجانب الثقافي الذي نجح فيه المفاوض الحكومي، من خلال مناقشة الخطط لإعادة الآثار العراقية المهربة بما فيها استرداد الارشيف الخاص بالدولة العراقية السابقة؛ وهنا أقول سيتم إعادة الآثار لسرقتها كون العراق الآن يسرق ويدمر من قبل الطبقة السياسية الحاكمة التي تتفرج على مجريات الأحداث بدون محاسبة لأحد، كما تناول الحوار الجانب الأمني بين الطرفين، والهاجس الأمني المقلق لواشنطن والذي ألزم الحكومة العراقية بحماية القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية، ولم يتم التطرق إلى انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أما في الجانب الاقتصادي فقد تم الاتفاق على تزويد العراق بخبراء ومستشارين اقتصاديين، لوضع الخطط الاقتصادية والإشراف على تنفيذها، مع العمل على تهيئة الظروف المناسبة للشركات الأمريكية للاستثمار، على أن تجري جولات أخرى من الحوار على مستويات أعلى، كما أني أرى بأنه من المبكر أيضا أن نقول بأنه يمكن أن يشكل نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين في ظل سيطرة الميليشيات التابعة لإيران على المشهد العراقي، والتي ترى بأن الحوار الذي جرى لم يلبِ طموحاتها في إخراج القوات الأمريكية من العراق، لذا صعدت من عملياتها وهجماتها على المقرات التي تتواجد فيها القوات الأمريكية في معسكر التاجي، وعلى السفارة الأمريكية في بغداد، لذا سيبقى المشهد العراقي مرهونا ومبنيا على قدرة الحكومة في الوقوف بوجه هذه الميليشيات، التي تتحكم بالوضع الأمني ولذلك أستبعد أن تكون هناك مواجهة بين القوات العسكرية والميليشيات، خصوصا بعد حادثة إغلاق مقر ميليشيا ثأر الله والذي فتح بعد فترة من أغلاقه، علما بأن الوضع العام لحكومة بغداد مهدد بالانهيار في أي لحظة، أو معرض للانفجار مع الأطراف التي تسعى للسيطرة على الوضع العراقي بشكل كامل مدفوعة من إيران.

الميثاق: بماذا تفسر دعوات المليشيات المرتبطة بإيران إلى رحيل القوات الأمريكية وجعلها رأس بنود المباحثات؟.

الفلحي: لا شك بأن مطلب رحيل القوات الأمريكية هو مطلب ايراني، ومن يراقب المشهد السياسي العراقي بدقة يتوصل إلى أن هذه الدعوة جاءت بعد مقتل "سليماني" وأبي "مهدي المهندس" في3يناير/كانون الثاني الماضي، وفي5 يناير من الشهر نفسه، تفردت الكتلة الشيعية بإصدار قرار من البرلمان يلزم الحكومة باتخاذ إجراءات لإخراج القوات الأجنبية من العراق، والمقصود هو إخراج القوات الأمريكية من العراق، بعد أن رفضت بعض الكتل هذا القرار، وهذا يعني أن هناك انقسام سياسي واضح حول هذه الخطوة التي تحمل في طياتها أجندة إيرانية واضحة، ولذلك تصر الميليشيات المسلحة على ضرورة إخراج القوات الأمريكية وهنا يمكن أن نقول من يحكم الدولة في العراق اليوم؟ هل هي حكومة الكاظمي أم هذه الميليشيات؟ التي تريد فرض إرادتها السياسية والأمنية بقوة السلاح! لكي يسلم البلد بشكل كامل لإيران.

الميثاق: هل أنت مع الرأي القائل إن إيران هي من تقود مسار الحوار مع واشنطن نيابة عن بغداد؟.

الفلاحي: إن هذا الحوار تنظر إليه واشنطن وطهران والميليشيات المسلحة التابعة لطهران بأنه محطة اختبار جدية ومهمة لحكومة الكاظمي، لمعرفة توجهها للفترة القادمة، علما بأن حكومة "عادل عبد المهدي" هي من أسوء الحكومات التي خضعت لإرادة الميليشيات وللرغبات الإيرانية في العراق، وهي من شكلت الوفد الحكومي لهذا الحوار بحسب إملاءات الميليشيات الإيرانية، بحيث حددت مهمة هذا الوفد الحكومي لهذا الحوار بإخراج القوات الأمريكية من العراق، بغض النظر عن المصالح العليا للعراق، لذا نرى تركيزهم على استعادة الأرشيف للدولة العراقية السابقة قبل الاحتلال، والآثار المهربة، ولم يتم التطرق بشكل جدي إلى ما يجب مناقشته في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها العراق.

الميثاق: هناك من يعتقد أن تشكيلة الوفد العراقي للحوار اقتصرت على لون واحد، لماذا؟ في حين ارتفعت مطالبات بضرورة اشراك ممثلين عن المكونات العراقية الأخرى؟.

الفلاحي: نعم تشكيلية الوفد المفاوض الحكومي جاءت من مكون واحد على حساب المكونات الأخرى، وهو يعكس حالة الانقسام السياسي، والتفرد بإدارة شؤون الحكم في العراق، والهيمنة الكاملة للميليشيات التابعة لطهران على المشهد العراقي، كما إن تشكيل الوفد الحكومي المفاوض كان من قبل "عادل عبد المهدي" رئيس الحكومة المستقيلة، والغريب أن حكومة الكاظمي لم تقم بأجراء أي تغير أو تعديل على الوفد الحكومي المفاوض، الذي شكل على أساس طائفي، وغير مهني وبعيد عن الوطنية، وعلى حساب التوازنات السياسية المتفق عليها بين أطراف العملية السياسية في البلد بعد عام 2003، مما يعكس حالة الضعف الحكومي، وهزالة الوفد الذي يفتقر إلى الاحتراف والخبرة السياسية والدبلوماسية، بالإضافة إلى فقدانه لأوراق الضغط السياسية التي يمكن أن تقوي موقفه التفاوضي، بحيث ظهر ضعيفا وغير قادر على مجاراة الوفد الأمريكي.

الميثاق: ما هي ملامح خارطة التواجد الأمريكي في العراق وأبرز نقاط تواجده؟.

الفلاحي: إن ملامح التواجد العسكري الأمريكي في العراق تقلصت بشكل كبير بعد تصاعد التوتر بين الميليشيات التابعة لطهران وبين القوات الأمريكية، التي تبادلت الضربات والهجمات والتهديدات، مما دفع قوات التحالف الدولي (القوات الأمريكية) إلى تسليم العديد من المواقع والقواعد والمعدات العسكرية، التي كانت تتواجد فيها بصورة مشتركة مع القوات الحكومية، لذا فقد قررت القوات الأمريكية في26مارس/ أذار الماضي الانسحاب من محافظات "كركوك" و"نينوى" (شمالي البلاد) و"الأنبار" (غربي البلاد) والعاصمة "بغداد" و"صلاح الدين" شمال "بغداد"، في خطوة قال عنها التحالف إنها تهدف إلى إعادة التموضع والتمركز، وقالت عنها الميليشيات بأنها انسحبت بفعل الهجمات التي نفذتها الميليشيات التابعة لإيران، بالإضافة الى تجنب الاختلاط بسبب تفشي فيروس "كورونا"، لذا انحصر تواجد القوات الأمريكية في قاعدة "حرير" في محافظة "أربيل"، وفي قاعدة "عين الأسد" بمحافظة "الأنبار"، وفي قاعدة "التاجي" في "بغداد".

الميثاق: ما هي القواعد العسكرية المتوقعة أن تحتفظ بها الولايات المتحدة في العراق ولماذا؟.

الفلاحي: يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية حسمت خيارتها في البقاء، وستحتفظ بقاعدتين رئيسية هما قاعدة "حرير" في محافظة "أربيل"، وقاعدة "عين الأسد" في محافظة "الأنبار" والتي جرى تزويدها ببطاريات صواريخ باتريوت للدفاع الجوي، كما إن هذه القواعد حصينة، وبعيدة عن سلاح الميليشيات، وتؤمن الستر بشكل جيد من الهجمات الصاروخية للميليشيات التابعة لإيران، ويبدو أن الحوار الاستراتيجي الذي جرى في10و11حزيران ألزم حكومة "الكاظمي" بحماية القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية، والتي يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة من العلاقات مع حكومة بغداد، بعد أن تدهورت في زمن حكومة عبد المهدي.

الميثاق: هل ترجح أن تطرح واشنطن مخاطر تغول المليشيات الطائفية في العراق وتمددها خارج الحدود وانخراطها بالمشروع الإيراني في الحوار المرتقب؟.

الفلاحي: أنا أرى بأن واشنطن وطهران والميليشيات تنتظر نتائج الحوار الاستراتيجي، لحكومة الكاظمي التي تحاول أن تلعب على التوازنات بين جميع الأطراف، لذا هي لم تلجأ إلى تغيير أو حتى تعديل الوفد الحكومي المفاوض رغم الانتقادات الكثيرة لتشكيلة الوفد، وقد يكون هذا الفعل للتهرب من الاستحقاقات التي يجب تحقيقها من هذا الحوار، كون الفشل في تحقيق مطالب طهران والميليشيات التابعة لها بإخراج القوات الأمريكية ستكون له تداعيات على المشهد العراقي، وخاصة إذا تم تشكيل الوفد من قبل حكومة "الكاظمي"، لذا فالفشل الآن سيكون بسبب الوفد الذي شكلته حكومة "عادل عبد المهدي" ولن تُلقى اللائمة على حكومة "الكاظمي"، كما أن واشنطن تدرك جيدا بأن حكومة "الكاظمي" ضعيفة وغير قادرة على الوقوف بوجه الميليشيات التي تهيمن على الوضع العراقي بشكل كامل، كما أنها تعاني من الكثير من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، التي تهدد بزوال النظام السياسي برمته، وتحتاج إلى مزيد من الدعم لكسب مؤيدين لها داخل العملية السياسية، وهي تحاول الاقتراب من المتظاهرين لتقوية موقفها، كما إن إجراء التغييرات في الهرم القيادي لوزارة الدفاع والداخلية قد يدفع حكومة "الكاظمي" لمزيد من الإجراءات ضد الميليشيات، والتي يمكن أن تؤدي إلى مواجهة داخلية لا تريدها واشنطن في هذه المرحلة، التي تسعى فيها إلى تهدئة الأوضاع، بسبب الأحداث الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية، واقتراب موعد الانتخابات فيها.

الميثاق: الظروف والمعطيات السياسية والأمنية التي يشهدها العراق في ظل تنامي النفوذ الإيراني فيه /هل تؤسس لإعادة إحياء الشراكة مع العراق؟.

الفلاحي: العلاقات بين الدول تحكمها المصالح المشتركة بين البلدين، فليس هناك صداقات دائمة وليس هناك عدوات دائمة، ولكن هناك مصالح قائمة ومشتركة يمكن أن تؤسس لشراكات دائمة بين الدول على أساس احترام السيادة والمصالح المشتركة، ولكن في بلد مثل العراق بعد عام 2003 لا اعتقد أنه قادر على إقامة مثل هذه العلاقات والشراكات على أساس المصالح المشتركة بين البلدين، كون القرار السياسي والأمني والاقتصادي مصادر تماما من قبل جهات تدين بالولاء للخارج، سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو لإيران أو لبريطانيا، كون الطبقة السياسية الحاكمة جاء بها الاحتلال الأمريكي استمرت في الحكم طيلة الفترة الماضية بتوافقات إيرانية -أمريكية، لا مصلحة للعراق وشعبه بها، وبالتالي نحن نتكلم عن تقاسم للنفوذ بين واشنطن وطهران في الفترة الماضية، واليوم يوجد صراع على النفوذ في العراق بين الطرفين على حساب مصالح العراق وشعبه.

الميثاف: بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي: هل يستطيع الكاظمي أن يدير شؤون العراق؟ وماهي رؤيتكم للمشهد السياسي المقبل للعراق؟.

الفلاحي: المشهد العراقي معقد بشكل كبير بسبب الأزمات التي يمر بها، والتي تهدد بزوال الطبقة الحاكمة في العراق بشكل كامل، وهناك صراع حقيقي على النفوذ والمصالح بين واشنطن وطهران على حساب المصالح العليا للعراق، وكلاهما ينظران للحوار الاستراتيجي بأنه محطة اختبار لحكومة "الكاظمي" الذي يحاول أن يوفق بين الطرفين، بإيجاد توازنات صعبة، فحكومة "الكاظمي" تواجه تحديات كثيرة، وخيارات صعبة، قد تؤدي إلى فوضى عارمة واقتتال داخلي؛ لأن النفوذ الإيراني متغلغل بشكل كبير ولا يمكن مواجهته بسهولة، و"الكاظمي" يعرف ذلك جيداً باعتباره كان رئيساً لجهاز المخابرات العراقي، وجزءا من الطبقة السياسية الفاسدة في العراق، وحكومته تشكلت بحسب نظام المحاصصة الطائفية، كما أنه لا ينتمي لحزب أو كتلة سياسية قوية في البرلمان تدعم مواقفه وقراراته، لذا لن يستطيع التأثير وسيصطدم بمعارضة برلمانية قد تطيح به مع أول إجراء تراه طهران يشكل تهديدا لها ولنفوذها وميليشياتها في العراق، وهو يعرف ذلك جيداً، لذا فهو يذهب الى هيئة الحشد ويرتدي بدلتهم في خطوة لمناغاتهم، وأنه ليس كما صور من قبل ميليشيا حزب الله العراقي بأنه رجل أمريكا في العراق، وإن الاتهامات التي وجهت إليه بقتل "سليماني" وأبي "مهدي المهندس" غير صحيحة، لذا فهو مكبل بقيود كثيرة ويحاول أن يعمل على خلق توازنات يمكن أن تطيل من عمر حكومته التي أراها قصيرة مهما طالت.

الميثاق: وأخيرا ماذا تمثل استدارة الكاظمي نحو المحيط العربي هل هي استدارة تكتيكية أم خطوة استراتيجية؟.

الفلاحي: إن توجه حكومة "الكاظمي" نحو المحيط العربي جاءت بتوصية ونصيحة أمريكية وخاصة بتجاه المملكة العربية السعودية، كما أنها جاءت بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها العراق، مع انحصار الخيارات أمام حكومة "بغداد"، وبنفس الوقت تمثل خطوة مهمة للتخفيف والابتعاد عن الحضن الإيراني، وهذا يتطلب إيجاد بدائل لإمدادات الطاقة الكهربائية والغاز الذي يستورده العراق من إيران، حيث هددت الولايات المتحدة الأمريكية بوقف الاعفاءات للدول التي سمحت لها واشنطن واستثنتها من العقوبات التي فرضت على إيران، ومنها العراق الذي شمل بهذه الاستثناءات، علما أن حكومة "الكاظمي" تواجه مشكلة حقيقية تتمثل بمواقف الميليشيات التابعة لإيران الرافضة لهذا التقارب، حيث هددت بعض الميليشيات بنقل العمليات العسكرية للداخل السعودي بعد زيارة وزير المالية بحكومة "الكاظمي" للسعودية لمساعدة العراق في الخروج أزمته المالية والاقتصادية، لذا فاستدارة "الكاظمي" أنا أعتبرها خطوة "اضطرارية" مهمة لمعالجة الأزمات التي يمر بها العراق، وخاصة الأزمة المالية، ومن المبكر أن نقول بأنها خطوة استراتيجية مالم تتبعها خطوات عملية أخرى، الأمر الذي قد يغضب طهران وميليشياتها في العراق، ويجعل الخيارات مفتوحة أمامها لمنع هذا التقارب.

مقالات متعلقة